الصفحة 115 من 658

ثُمَّ زَحَفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مَرْعُوبٌ ، حَتَّى وَقَفَ قَرِيبًا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُودِيَ مِنْهَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِلَى مَا تِلْكَ {مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ؟ قَالَ: هِيَ عَصَايَ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهَا ؟ وَلاَ أَحَدَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} وَكَانَ لِمُوسَى فِي الْعَصَا مَآرِبُ ؛ كَانَتْ لَهَا شُعْبَتَانِ وَمِحْجَنٌ تَحْتَ الشُّعْبَتَيْنِ قَالَ لَهُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَظَنَّ مُوسَى أَنَّهُ يَقُولُ: ارْفُضْهَا فَأَلْقَاهَا عَلَى وَجْهِ الرَّفْضِ ,

ثُمَّ حَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ ، فَإِذَا بِأَعْظَمِ ثُعْبَانٍ نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُونَ ، يَدُبُّ يَلْتَمِسُ ؛ كَأَنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أَخْذَهُ ، يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلِ الْخَلِفَةِ مِنَ الإِبِلِ ، فَيَقْتَلِعُهَا ، وَيَطْعَنُ بِأَنْيَابٍ مِنْ أَنْيَابِهِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ الْعَظِيمَةِ ، فَتَجْتَثُّهَا ، عَيْنَاهُ تَوَقَّدَانِ نَارًا ، وَقَدْ عَادَ الْمِحْجَنُ عُرْفًا فِيهِ شَعْرٌ مِثْلُ النَّيَازِكِ ، وَعَادَ الشُّعْبَتَانِ فَمًا مِثْلَ الْقَلِيبِ الْوَاسِعِ ، وَفِيهِ أَضْرَاسٌ وَأَنْيَابٌ لَهُمَا صَرِيفٌ فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ مُوسَى {وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} ,

فَذَهَبَ حَتَّى أَمْعَنَ ، فَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَعْجَزَ الْحَيَّةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ ، فَوَقَفَ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ ، ثُمَّ نُودِيَ: يَا مُوسَى ، إِلَيَّ ارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ ، فَرَجَعَ وَهُوَ شَدِيدُ الْخَوْفِ ، فَقَالَ: {خُذْهَا} بِيَمِينِكَ {وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى} وَعَلَى مُوسَى حِينَئِذٍ مَدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ ، قَدْ خَلَّهَا بِخَلاَلٍ مِنْ عِيدَانٍ ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِأَخْذِهَا ، ثَنَى طَرَفَ الْمَدْرَعَةِ عَلَى يَدِهِ ، فَقَالَ لَهُ مَلَكٌ: أَوَرَأَيْتَ يَا مُوسَى لَوْ أَذِنَ لَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَا تُحَاذِرُ ، أَكَانَتِ الْمَدْرَعَةُ تُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ؟ قَالَ: لاَ وَلَكِنِّي ضَعِيفٌ ,

وَمِنْ ضَعْفٍ خُلِقْتُ فَكَشَفَ عَنْ يَدِهِ ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي فِي الْحَيَّةِ ، حَتَّى سَمِعَ حِسَّ الأَضْرَاسِ وَالأَنْيَابِ ، ثُمَّ قَبَضَ ، فَإِذَا هِيَ عَصَاهُ الَّتِي عَهِدَهَا ، وَإِذَا يَدُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَضَعُهَا إِذَا تَوَكَّأَ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ادْنُ فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيهِ ، حَتَّى أَسْنَدَ ظَهْرَهُ بِجِذْعِ الشَّجَرَةِ ، فَاسْتَقَرَّ ، وَذَهَبَ عَنْهُ الرِّعْدَةُ ، وَجَمَعَ يَدَيْهِ فِي الْعَصَا ، وَخَضَعَ بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَقَمْتُكَ الْيَوْمَ مَقَامًا لاَ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ بَعْدَكَ أَنْ يَقُومَ مَقَامَكَ ؛ أَدْنَيْتُكَ وَقَرَّبْتُكَ حَتَّى سَمِعْتَ كَلاَمِي ، وَكُنْتَ بِأَقْرَبِ الأَمْكِنَةِ مِنِّي ، فَانْطَلِقْ بِرِسَالَتِي ، فَإِنَّكَ بِعَيْنِي وَسَمْعِي ,

وَإِنَّ مَعَكَ يَدِي وَنَصْرِي ، وَإِنِّي قَدْ أَلْبَسْتُكَ مجنة مِنْ سُلْطَانِي ، تَسْتَكْمِلُ بِهَا الْقُوَّةَ فِي أَمْرِي ، فَأَنْتَ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِي ، بَعَثْتُكَ إِلَى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِي ؛ بَطَرَ نِعْمَتِي ، وَأَمِنَ مَكْرِي ، وَغَرَّتْهُ الدُّنْيَا عَنِّي ، حَتَّى جَحَدَ حَقِّي ، وَأَنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي ، وَعَبَدَ دُونِي ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُنِي ، وَإِنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي ، لَوْلاَ الْعُذْرُ وَالْحُجَّةُ اللَّذَانِ وَضَعْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبَّارٍ ، يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالْبِحَارُ ؛ فَإِنْ أَمَرْتُ السَّمَاءَ حَصَبَتْهُ ، وَإِنْ أَمَرْتُ الأَرْضَ ابْتَلَعَتْهُ ، وَإِنْ أَمَرْتُ الْجِبَالَ دَمَّرَتْهُ ، وَإِنْ أَمَرْتُ الْبِحَارَ غَرَّقَتْهُ ,

وَلَكِنَّهُ هَانَ عَلَيَّ وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِي وَوَسِعَهُ حِلْمِي ، وَاسْتَغْنَيْتُ بِمَا عِنْدِي ، وَحَقَّ لِي أَنِّي أَنَا الْغَنِيُّ ؛ لاَ غَنِيَّ غَيْرِي ، فَبَلِّغْهُ رِسَالاَتِي ، وَادْعُهُ إِلَى عِبَادَتِي وَتَوْحِيدِي ، وَإِخْلاَصِ اسْمِي ، وَذَكِّرْهُ بِأَيَّامِي ، وَحَذِّرْهُ نِقْمَتِي وَبَأْسِي ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّهُ لاَ يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِي ، وَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ {قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وَأَخْبِرْهُ أَنِّي إِلَى الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ أَسْرَعُ مِنِّي إِلَى الْغَضَبِ وَالْعُقُوبَةِ ، وَلاَ يَرُوعَنَّكَ مَا أَلْبَسْتُهُ مِنْ لِبَاسِ الدُّنْيَا ؛ فَإِنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِي ، لَيْسَ يَطْرِفُ ، وَلاَ يَنْطِقُ ، وَلاَ يَتَنَفَّسُ إِلاَّ بِإِذْنِي ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت