الصفحة 116 من 658

قُلْ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ ؛ فَإِنَّهُ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ، وَإِنَّهُ قَدْ أَمْهَلَكَ أَرْبَعَمِئَةِ سَنَةٍ ، وَفِي كُلِّهَا أَنْتَ مُبَارِزٌ لِمُحَارَبَتِهِ ، تَشَبَّهُ وَتَمَثَّلُ بِهِ ، وَتَصُدُّ عِبَادَهُ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَهُوَ يُمْطِرُ عَلَيْكَ السَّمَاءَ ، وَيُنْبِتُ لَكَ الأَرْضَ ، لَمْ تَسْقَمْ ، وَلَمْ تَهْرَمْ ، وَلَمْ تَفْتَقِرْ ، وَلَمْ تُغْلَبْ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُعَجِّلَ ذَلِكَ لَكَ ، أَوْ يَسْلُبَكَهُ فَعَلَ ، وَلَكِنَّهُ ذُو أَنَاةٍ وَحِلْمٍ عَظِيمٍ وَجَاهِدْهُ بِنَفْسِكَ وَأَخِيكَ ، وَأَنْتُمَا مُحْتَسِبَانِ لِجَهَادِهِ ، فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ آتِيَهُ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُ بِهَا لَفَعَلْتُ ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمْ هَذَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ ، الَّذِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَجُمُوعُهُ أَنَّ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ وَلاَ قَلِيلَ مِنِّي تَغْلِبُ الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ بِإِذْنِي ,

وَلاَ يُعْجِبُكُمَا زِينَتَهُ ، وَلاَ مَا مُتِّعَ بِهِ ، وَلاَ تَمُدَّانِ إِلَى ذَلِكَ أَعْيُنَكُمَا ؛ فَإِنَّهَا زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَزِينَةُ الْمُتْرَفِينَ ، وَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ أُزَيِّنَكُمَا مِنَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ يَعْلَمُ فِرْعَوْنُ حِينَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ، أَنَّ مَقْدِرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ مِثْلِ مَا أُوتِيتُمَا ، فَعَلْتُ ، وَلَكِنِّي أَرْغَبُ بِكُمَا عَنْ ذَلِكَ ، وَأَزْوِيهِ عَنْكُمَا ، وَكَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَوْلِيَائِي ، وَقَدِيمًا مَا خِرْتُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَإِنِّي لأَذُودُهُمْ عَنْ نَعِيمِهَا وَرَخَائِهَا كَمَا يَذُودُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ إِبِلَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ ، وَإِنِّي لأُجَنِّبُهُمْ سُلْوَتَهَا وَعَيْشَهَا كَمَا يُجَنِّبُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ إِبِلَهُ عَنْ مَبَارِكِ الْغُرَّةِ ، وَمَا ذَلِكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيَّ ؛ وَلَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي سَالِمًا مَوْفُورًا ، لَمْ تَكْلَمْهُ الدُّنْيَا ، وَلَمْ يُطْفِهِ الْهَوَى ,

وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَيَّنْ لِيَ الْعِبَادُ بِزِينَةٍ هِيَ أَبْلَغُ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ؛ فَإِنَّهَا زِينَةُ الْمُتَّقِينَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا لِبَاسٌ ، يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْخُشُوعِ ، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقًّا ، فَإِذَا لَقِيتَهُمْ فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ ، وَذَلِّلْ لَهُمْ قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا ، أَوْ أَخَافَهُ ، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَبَادَأَنِي ، وَعَرَضَ بِنَفْسِهِ ، وَدَعَانِي إِلَيْهَا ، فَأَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي ، أَيَظُنُّ الَّذِي يُحَارِبُنِي أَنْ يَقُومَ لِي ؟ أَوَيَظُنُّ الَّذِي يُغَازِينِي أَنْ يُعْجِزَنِي ؟ أَوَيَظُنُّ الَّذِي يُبَارِزُنِي أَنْ يَسْبِقَنِي أَوْ يَفُوتَنِي ؟ وَكَيْفَ وَأَنَا الثَّائِرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ؛ لاَ أَكِلُ نُصْرَتَهُمْ إِلَى غَيْرِي ؟ ,

قَالَ: فَأَقْبَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى فِرْعَوْنَ فِي مَدِينَةٍ قَدْ جَعَلَ حَوْلَهَا الأُسْدَ فِي غَيْضَةٍ قَدْ غَرَسَهَا ، فَالأُسْدُ فِيهَا مَعَ سُيَّاسِهَا ، إِذَا أَشْلَتْهَا عَلَى أَحَدٍ أَكَلَتْهُ ، وَلِلْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ فِي الْغَيْضَةِ ، فَأَقْبَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنَ الطَّرِيقِ الأَعْظَمِ الَّذِي يَرَاهُ فِرْعَوْنُ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الأُسْدُ صَاحَتْ صِيَاحَ الثَّعَالِبِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ السَّاسَةُ ، وَفَرَقُوا مِنْ فِرْعَوْنَ ، وَأَقْبَلَ مُوسَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَابِ الَّذِي فِيهِ فِرْعَوْنُ ، فَقَرَعَهُ بِعَصَاهُ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَسَرَاوِيلُ ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَوَّابُ ، عَجِبَ مِنْ جُرْأَتِهِ ، فَتَرَكَهُ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ ، وَقَالَ: هَلْ تَدْرِي بَابَ مَنْ أَنْتَ تَضْرِبُ ؟ إِنَّمَا تَضْرِبُ بَابَ سَيِّدِكَ قَالَ: أَنَا وَأَنْتَ وَفِرْعَوْنُ عَبِيدٌ لِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَأَنَا نَاصِرُهُ ,

فَأَعْلَمَهُ الْبَوَّابَ السَّابِقَ ، فَأَخْبَرَ الْبَوَّابَ الَّذِي يَلِيهِ وَالْبَوَّابِينَ ، حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ أَدْنَاهُمْ ، وَدُونَهُ سَبْعُونَ حَاجِبًا ، كُلُّ حَاجِبٍ مِنْهُمْ تَحْتَ يَدَيْهِ مِنَ الْجُنُودِ مَا شَاءَ اللَّهُ ؛ كَأَعْظَمِ أَمِيرٍ الْيَوْمَ إِمَارَةً ، حَتَّى خَلَصَ الْخَبَرُ إِلَى فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ: أَدْخِلُوهُ عَلَيَّ فَأُدْخِلَ ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: أَعْرِفُكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسَى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ فِرْعَوْنُ: خُذُوهُ ، فَبَادَأَهُمْ مُوسَى ، فَأَلْقَى عَصَاهُ {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} فَحَمَلَتْ عَلَى النَّاسِ ، فَانْهَزَمُوا مِنْهَا ، فَمَاتَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا ؛ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ,

وَقَامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا ، حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ، فَقَالَ لِمُوسَى: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا نَنْظُرُ فِيهِ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ ؛ وَإِنَّمَا أُمِرْتُ بِمُنَاجَزَتِكَ ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَخْرُجْ إِلَيَّ دَخَلْتُ إِلَيْكَ فَأَوْحَى اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى أَنِ اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَجَلًا ، وَقُلْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ هُوَ ، ثُمَّ قَالَ فِرْعَوْنُ: اجْعَلْهُ لِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَفَعَلَ ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ لاَ يَأْتِي الْخَلاَءَ إِلاَّ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً ، فَاخْتَلَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً قَالَ: وَخَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا مَرَّ بِالأُسْدِ مَصَعَتْ بأَذْنَابِهَا ، وَسَارَتْ مَعَ مُوسَى تُشَيِّعُهُ ، وَلاَ تُهِيجُهُ ، وَلاَ أَحَدًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت