المبحث الثالث: القرائن المتعلقة بتشدده
9 -القرينة الأولى: شهرة المجرح بالتشدد:
المتكلمون في الرواة على مراتب من حيث التشدد والتوسط والتساهل ، والصنف الأول هم المقصودون هنا ، ووصفوا بالتشدد ؛ لأنهم يحطون الراوي عن مرتبته بغلط لا يقتضي إنزاله عنها ، أو يُفسرون الجرح بما لا يُؤثر في الراوي من حيث الضبط والعدالة ، أو قد يستعجل أحدهم فيجهِّل الراوي الذي لا يعرفه ، مع شهرة هذا الراوي بالثقة ! ، وقد يكون صحابيًّا كما يصنع ذلك ابن حزم ، وكذا أبو حاتم الرازي لكن له مصطلح خاص في المجهول ، قال الحافظ ابن حجر:"كذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة يطلق عليهم اسم الجهالة ، لا يُريد جهالة العدالة وإنما يريد أنه من الأعراب الذين لم يرو عنهم أئمة التابعين" (1)
(لسان الميزان 6/ 12/ ترجمة: مدلاج بن عمرو السلمي البدري . )
ولذا يُرجِّح الأئمة النقاد التعديل بقرينة تشدد الناقد أو تسرعه ، فلا يعتدون بكلامه المخالف لتعديل الأئمة النقاد إلا بجرح مفسّر مؤثر ، يقول الإِمام الذهبي:"الثقات الذين تكلم فيهم من لا يُلتفت إلى كلامه في ذلك الثقة لكونه تعنت فيه ، وخالف الجمهور من أولي النقد والتحرير فإنّا لا ندّعي العصمة من السهو ، والخطأ في الاجتهاد في غير الأنبياء" (2)
(مقدمة الميزان 1/ 3 . )
وممن عُرف بذلك: الإِمام مالك ، حيث يقول محمد بن عبد اللَّه بن نُمير:"ما أحد قاسٍ في قوله في الرجال غير مالك بن أنس ، كان لا يُحدث عمن لم يكن عنده ، ولا يحدث عمن ليس عنده صاحب حديث" (3)
(معرفة الرجال لابن محرز 2/ 779 . )
(1) لسان الميزان 6/12 / ترجمة: مدلاج بن عمرو السلمي البدري .
(2) مقدمة الميزان 1/3 .
(3) معرفة الرجال لابن محرز 2/779 .