فهرس الكتاب
و أما الذين يعاقبون ، فإن معظم الروايات لم تحددهم ، و التي ذكرتهم هي الأخرى اختلفت في تعيينهم ، فمنها رواية نصت على قتل جماعة من المصريين ، حددت منهم محمد بن أبي بكر فقط .و في أخرى أن الكتاب نصّ على قطع و قتل أكثر جيش وفد مصر [1] . و في أخرى أمر بالجلد ،و حلق الرأس و اللحية في حق أربعة أشخاص، و هم: عبد الرحمن بن عديس ،و سودان بن حمران ،و عروة بن النباغ الليثي ،و عمرو بن الحمق [2] .
و تعقيبا على ذلك أقول: إن ما ذكرته الروايات عن الغلام و مركوبه هو أمر غريب و متناقض لا يُقبل ، فهي لم تتفق على الجمل أهو لعثمان ، أم هو من إبل الصدقة ؟ . و اختلفت أيضا في ذكر الهيئة التي كان عليها المبعوث عندما وجده المصريون . كما أنها لم تقدم لنا تفسيرا مقنعا عن الحركات البهلوانية التي كان يقوم بها الغلام ؛ فإذا كان مروان هو الذي أرسله بالكتاب إلى والي مصر ليضرب على أيدي البغاة ، فلا ريب أنه سيتخذ طريقا مغايرا لطريقهم ، ليسبقهم و لا يكتشفونه .و هذا هو الذي يتفق مع منطق التاريخ في مثل هذه الظروف ، لا أنه يسير في طريقهم ثم يقترب منهم و يعترضهم ، فهذا أمر لا يستساغ ، إلا إذا كان الغلام يمثل دورا في مسرحية خَطط لها مسبقا أعداء الخليفة و كاتبه .
و هل يُعقل أن مروان بن الحكم- الذي يصفه خصومه بالمكر و الدهاء- يخاطر بتزوير كتاب على الخليفة ثم يبعثه مع غلام يسلك ذلك الطريق ، و يصدر تلك الحركات البهلوانية ؟ إن المكر و الدهاء ،و التخطيط المحكم ، و المصلحة كل ذلك يقتضي إرسال شخص محنك غير مشبوه ، على مركوب غير ُممَيز ، لكي لا يُثير في الناس أدنى شبهة حوله ،و يتمكن من أداء مهمتة الاستعجالية في ظروف غير عادية ، إذا اُكتشف أمره فيها سيؤدي إلى حدوث فتنة لا تحمد عقباها .
(1) ابن كثير: المصدر السابق ج 7 ص: 174-175 .
(2) الطبري: المصدر السابق ، ج 2ص: 655 .