فهرس الكتاب
لكن الذين أرسلوا ذلك الغلام البهلواني ليُمثل الدور الذي كُلّف به ، هم ليسوا بأغبياء لأن هدفهم هو إثارة العوام ،و إقناعهم بأدلة ظاهرها صحيح ليُرجعوهم إلى المدينة ناقمين على عثمان و أعوانه ؛ لكنهم مع ذلك لم يحبكوا للقصة تفاصيلها ،و لم يملئوا فجواتها .
و مما يُثير الغرابة في أمر الغلام ، أن الروايات التي ذكرت أنه هو الذي حمل الكتاب ، لم تشر من قريب و لا من بعيد إلى أن الخليفة و الصحابة حققوا معه ليسمعوا منه تفاصيل الحكاية ،و ليعرفوا من أرسله ؛ و هذا أمر في غاية الأهمية يجب ألا يغيب عنهم . لأن سر القضية عنده ، هو الشاهد الوحيد فيها . و حتى الذين زعموا أنهم و جدوه متجها إلى مصر لم تذكر الروايات أنهم استشهدوا بأقواله ! و شهادته أقوى و أولى من الكتاب المزوّر . فهل يُعقل أن يُهمل الغلام من الجانبين ،و مفتاح القضية و سرها عنده ؟ ! ألا يشير ذلك إلى أن حكاية الغلام من الراجح جدا أنها مختلقة من أساسها ، اتخذها رؤوس الفتنة ذريعة للعودة إلى المدينة و حصار عثمان وفرض شروطهم عليه ؟ .
و أما ما ذكرته الروايات عن محتوي الكتاب فهو في غاية الاضطراب و التناقض ،و فيه تباين كبير في أنواع العقوبات ، فشتان بين القتل و الحلق،و بين القطع و الحبس ، وبين الصلب و الجلد ! ألا يثير هذا الغرابة و الضحك ؟ و هل يُعقل أن يكتب مروان بن الحكم -المتهم بالتزوير- كتابا واحدا ثم تختلف محتوياته هذا الاختلاف الكبير؟ ! و ألا يدل ذلك على أن المزوّرين قد كتبوا عدة كتب متباينة المحتوى ، ثم أرسلوها إلى الوفود ليرجعوا إلى المدينة ؟ و ألا يكون الكتابان اللذان زُوّرا على عثمان و علي-رضي الله عنهما- هما من بين تلك الكتب المزوّرة ؟ .