فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 86

و أشير هنا إلى أن اختلاف الروايات في الغلام و اسمه و مركوبه ، و تباينها الكبير في محتوي الكتاب ، يدل بالتأكيد على أحد أمرين أو كليهما معا ، أحدهما هو أن المزورين قد كتبوا مجموعة كتب و أرسلوها مع أكثر من شخص .و ثانيهما أن تلك الروايات قد تعرّضت للتلاعبات و التحريفات على أيدي الرواة .

و الشاهد الخامس هو أن الوفود الثلاثة التي غادرت المدينة عادت إليها في وقت واحد ، لذا أنكر عليهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ذلك و قال لهم: هذا و الله أمر أبرم بالمدينة [1] . لأن رجوعهم هذا مشبوه ، فكيف يرجعون في وقت واحد ، بعدما ساروا أياما ؟ فاتجه وفد مصر ناحية الشمال الغربي ، و اتجه وفدا الكوفة و البصرة ناحية الشمال الشرقي .

و ربما يقال أن المصريين لما اكتشفوا الكتاب أرسلوا إلى الكوفيين و البصريين فاخبروهم بالأمر ،و انتظروهم حتى رجعوا و دخلوا المدينة معا .لكن هذا الاحتمال يسقطه ما قالته طائفة من هؤلاء لعلي بن أبي طالب ، بأنه وصلهم كتاب من عنده دعاهم فيه بالعودة إلى المدينة ، فأقسم لهم بأنه لم يكتب كتابا قط . فالذي ردّ هؤلاء إّذن ليس الاحتمال المفترض ،و إنما ردهم ما وصلهم من كتب مزوّرة على لسان علي و مروان و غيرهما .

و مما يُرجّح أن الأمر قد دُبر بالمدينة بعد عودة البغاة إلى بلدانهم ، أنه رُوي أن اثنين من رؤوس الفتنة قد تخلفا بالمدينة و لم يخرجا مع الوفود ، و هما: الاشتر بن مالك النخعي ،و حكيم بن جبلة [2] . فلماذا تخلفا بالمدينة و لم يرجعا مع الوفود ؟ فتخلفهما هذا فيه ما يشير إلى أنهما تخلفا لتزوير الكتب و إرسالها إلى الوفود ليعودوا إلى المدينة لتجديد الفتنة [3] .

(1) الطبري: المصدر السابق ، ج2 ص: 653 .

(2) نفس المصدر، ج2 ص: 666 .

(3) ابن العربي: العواصم ، ص: 96 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت