الرَّئِيسُ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ الْكَاتِبُ، مَوْلِدُهُ فِي صَفَرَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
(22) - [22] أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، كِتَابَةً، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَالِكٍ، قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرُورِيُّ، قَالَ: ذَكَرَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يُقَالُ لَهُ أَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ يَدُورُ أَحْيَاءَ الْعَرَبِ يَسْأَلُ عَنِ امْرَأَةٍ تُخْبِرُهُ عَنْ شَيْئَيْنِ لا يَفْتَرِقَانِ، وَعَنْ أَرْبَعٍ لا يَفْتَرَقْنَ، وَعَنْ ثَمَانٍ لا يَفْتَرِقْنَ، فَإِنْ أَخْبَرَتْهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى حُكْمِهَا، فَأَعْيَاهُ ذَلِكَ، فَانْتَهَى إِلَى رَجُلٍ كَبِيرِ السِّنِّ قَدْ وَقَعَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا طَلَبَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِي لَبُنَيَّةً وَإِنَّهَا لَمِنْ أَعْلَمِ مَنْ رَأَيْتُ، فَأَمْهِلْنِي حَتَّى أَدْخُلَ أَسْأَلَهَا، فَدَخَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: بُنَيَّةُ، إِنَّ أَسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ وَأَكْثَرِهِمْ مَالا، وَإِنَّهُ يُرِيدُ امْرَأَةً يَتَزَوَّجَهَا عَلَى حُكْمِهَا إِنْ أَخْبَرَتْهُ بِشَيْئَيْنِ لا يَفْتَرِقَانِ، وَأَرْبَعٍ لا يَفْتَرِقْنَ، وَثَمَانٍ لا يَفْتَرِقْنَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَة وَمَا تَدْرِي هَذَا؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ، قَالَتْ: الشَّيْئَانِ اللَّذَانِ لا يَفْتَرِقَانِ: ثَدْيَيِ الْمَرْآةِ، وَالأَرْبَعُ أَخْلافِ النَّاقَةِ، وَالثَّمَانُ: أَطْبَاءُ الْكُلَيْبِ، فَخَرَجَ فَأَخْبَرَهُ بِمَقَالَتِهَا، قَالَ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: نَعَمْ، عَلَى مِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ بِرُعَاتِهَا، قَالَ: ذَلِكَ لَكَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ أَيَّامًا ثُمَّ رَحَلَ إِلَى أَهْلِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْجَارِيَةِ بِهَدِيَّةٍ حُلَّةٍ خَضْرَاءَ وَنِحْيِ سَمْنٍ مَعَ غُلامٍ لَهُ، وَقَالَ: أَقْرِئْهَا السَّلامَ، وَسَلْهَا عَنْ أَبِيهَا وَأُمِّهَا وَأُخْتِهَا، وَاحْفَظْ مَا تَقُولُ لَكَ، فَإِذَا الْحَيُّ خُلُوفٌ، فَأَشْرَفَتِ الْجَارِيَةُ عَلى الْغُلامِ، فَقَالَتْ: مَنِ الرَّاكِبِ؟ قَالَ: رَسُولُ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَتْ: الْحَبِيبُ الْقَرِيبُ، قَالَ: إِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكِ بِهَدِيَّةٍ، وَهُوَ يَسْأَلُكِ عَنْ أَبِيكِ وَأُمِّكِ وَأُخْتِكِ، قَالَتْ: أَقْرِئْهُ السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّ السَّمَاءَ قَدِ انْشَقَّتْ، وَأَنَّ الْبَحْرَ قَدْ نَضَبَ، وَأَنَّ أَبِي قَدْ ذَهَبَ يُبَاعِدُ قَرِيبًا وَيُقَرِّبُ بَعِيدًا، وَأَنَّ أُمِّي ذَهَبَتْ تَشُقُّ النَّفْسَ بِنَفْسَيْنِ، وَأَنَّ أَخِي قَدْ ذَهَبَ يَرْعَى الشَّمْسَ، وَأَبْلِغْهُ أَنَّ الثِّمَارَ قَدْ أَيْنَعَتْ، وَأَنَّ الرُّمَّانَ قَدْ مَلأتِ الْكَفَّ. فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَحَكَى لَهُ مَقَالَتَهَا، فَقَالَ: أَخْبَرَتْكَ أَنَّ أَبَاهَا ذَهَبَ يُحَالِفُ قَوْمًا عَلَى قَوْمِهِ، وَأَنَّ أُمَّهَا ذَهَبَتْ تُقَبِّلُ بَعْضَ بَنَاتِ عَمِّهَا، وَأَنَّ أَخَاهَا يَرْعَى فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ رَجَعَ إِلَى أَرْضِهِ بِإِبِلِهِ، وَأَخْبَرَتْكَ أَنَّهَا قَدْ أَدْرَكَتْ، وَأَنَّهَا قَدْ نَهَدَتْ، وَأَمَّا قَوْلُهَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، انْشَقَّتِ الْحُلَّةُ. قَالَ: نَعَمْ، لَبِسْتُهَا فَعَلَقَتْ بِشَجَرَةٍ فِي طَرِيقِي فَانْشَقَّتْ، وَأَمَّا مَا قَالَتْ فِي الْبَحْرِ فَأَكَلَتَ مِنْ السَّمْنِ شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ فِي زَادِي فَعَوَّلْتُ عَلَيْهِ. ثُمَّ تَجَهَّزَ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ بِرُعَاتِهَا سِوَى مَا خَرَجَ بِهِ مِنْ ثِقَلِهِ وَغِلْمَانِهِ وَمَتَاعِهِ، فَأَضَلُّوا الطَّرِيقَ حَتَّى كَادَتْ إِبِلُهُمْ تَمُوتُ عَطَشًا، فَسَنَحَ لَهُمْ قَلِيبٌ، فَقَالَ: أَنْشَدَ مَنْ يَنْزِلُ هَذَا الْقَلِيبَ، فَهَابَهُ غِلْمَانُهُ، فَقَالَ: اسْتَبِقُونِي فِيهِ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْقَلِيبِ، قَالَ غُلامٌ مِنْ غِلْمَانِهِ لِبَقِيَّةِ الْغِلْمَانِ: قَدْ عَلِمْتم شدَّةَ مَلِكةِ أسَد، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَرَوْنَ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ غُلامٍ مِنْكُمْ بَعِيرَيْنِ وَتَذْهَبُوا أَيْنَ شِئْتُمْ وَتَدَعُوا لِي بَقِيَّةَ الإِبِلِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعِيرَيْنِ وَتَفَرَّقُوا، وَتَوَجَّهَ الْغُلامُ بِالْمِائَةِ بَعِيرٍ فَأَتَى مَنْزِلَ الْجَارِيَةِ فَلَقِيَ أَبَاهَا لَيْلا، فَقَالَ الشَّيْخُ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: أَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا مَهْرُ ابْنَتِكَ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ بِرُعَاتِهَا، فَأَدْخِلْهَا عَلَيَّ اللَّيْلَةَ، قَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَهَا، قَالَ: هِيَ طَالِقٌ ثَلاثًا إِنْ لَمْ تُدْخِلْهَا عَلَيَّ اللَّيْلَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُوهَا فَخَبَّرَهَا، قَالَتْ: إِنِّي لأُنْكِرُ هَذَا مِنْ فِعَالِ شَرِيفٍ، وَلَكِنْ هَيِّئُونِي لَهُ فَهَيَّئُوهَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا، قَالَتْ لَهُ: وَرَاءَكَ حَتَّى أَسْأَلَكَ مِمَّ تَخْتَلِجُ شَفَتَاكَ، قَالَ: مِنْ تَقْبِيلِي إِيَّاكِ، قَالَتْ: فَمِمَّ تَخْتَلِجُ فَخِذَاكَ، قَالَ: مِنْ تَوْرِيكِي إِيَّاكِ، قَالَتْ: فَمِمَّ تَخْتَلِجُ جَنْبَاكَ، قَالَ: مِنَ احْتِضَانِي إِيَّاكِ، قَالَتْ: يَا أَهْلَ الْقُبَّةِ قَتَلَ الْعَبْدُ رَبَّهُ، أَبْطِحُوهُ، قَالَ: فَلَمَّا وَقَعَ بِهِ الْعِصِيُّ مَا قَامَ حَتَّى أَقَرَّ بِمَا فَعَلَ، وَسَارُوا نَحْوَ الْقَلِيبِ فَاسْتَخْرَجُوهُ، وَقَدْ كَادَ يَمُوتُ فَأَقَامُوا عَلَيْهِ حَتَّى بَرِئَ، وَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ أَهْلَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: مِمَّ تَخْتَلِجُ شَفَتَاكَ؟ قَالَ: مِنْ شُرْبِ الْمُشْعَشِعَاتِ، قَالَتْ: فَمِمَّ تَخْتَلِجُ فَخِذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ رُكُوبِ السَّابِقَاتِ، فَقَالَتْ: فَمِمَّ يَخْتَلِجُ جَنْبَاكَ؟ قَالَ: مِنْ لُبْسِ السَّابِغَاتِ، قَالَتْ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، دُونَكَ أَهْلِكَ