فهرس الكتاب
وَإِذَا لَمْ يَجُزْ إِطْلاَقِ اسْمِ التَّشْبِيهِ، إِذَا قَالَ الْمَرْءُ لاِبْنِ آدَمَ يدان، وَلِلْقِرْدِ يَدَانِ، وَأَيْدِيهِمَا مَخْلُوقَتَانِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مُشَبِّهًا مَنْ يَقُولُ لِلَّهِ يَدَانِ، عَلَى مَا أَعْلَمَ الله فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَقُولُ: لِبَنِي آدَمَ يَدَانِ، وَيقُولُ: وَيَدَا اللهِ بِهِمَا خُلِقَ آدَمُ، وَبِيَدِهِ كَتَبَ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى عَلَيْهِ الصلاة السَّلاَمُ، وَيَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَأَيْدِي بَنِي آدَمَ مَخْلُوقَةٌ عَلَى مَا ثبت وَشَرَحْتُ قَبْلُ: فِي بَابِ الْوَجْهِ وَالْعَيْنَيْنِ، وَفِي هَذَا الْبَابِ.
وَزَعَمَتِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أَيْ نِعْمَتَاهُ، وَهَذَا تَبْدِيلٌ، لاَ تَأْوِيلٌ
وَالدَّلِيلُ عَلَى نَقْض دَعْوَاهُمْ هَذِهِ أَنَّ نِعَمَ اللهِ كَثِيرَةٌ، لاَ يُحْصِيهَا إِلاَّ الْخَالِقُ الْبَارِئُ، وَلِلَّهِ يَدَانِ لاَ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، كَمَا قَالَ لإِبْلِيسَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِي} ، فَأَعْلَمَنَا - عز وجل - أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِنِعْمَتِهِ كَانَ مُبَدِّلًا لِكَلاَمِ اللهِ،
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} ، أَفَلاَ يَعْقِلُ أَهْلُ الإِيمَانِ أَنَّ الأَرْضَ جَمِيعًا لاَ تَكُونُ قَبْضَةَ إِحْدَى نِعْمَتَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بِالنِّعْمَةِ الأُخْرَى.