هاربا حتّى لحق بأصحابه. وبات بهرام في معسكره. فلمّا اصبح، نظر الى معسكره، فرأى:
ما بقى من اصحابه الا زهاء اربعة آلاف رجل من اهل بيته وخاصتّه وجّل من صديقيه، وكان بقيّة الناس قد ارتحلوا في سواد الليل، فلحقوا بعسكر كسرى، فانضمّوا اليه. فقال: الآن طاب الهرب. فأمر بأثقاله، فحملت نحو خراسان. فوجّه كسرى في طلب، واخذ على طريق اقرب من طريق بهرام الذى سلك فيه، حتى سبق بهرام وانتهى الى غيصنته على قارعة الطريق، فدخلها في اصحابه. فكمن فيها لبهرام ارادة ان يمرّ به، وهو مغتّر، فيأخذه واصحابه اخذا وبيلا وسار بهرام بهم، حتّى انتهوا الى طرف تلك الغيضة، ومّر بقوم يحتطبون، فقالوا له: انّ اصحابكم في جوف هذه الغيضة. فارتاب بقولهم، وامر اصحابه ان يأخذوا أهبة الحرب. ثم سار مستعدّا. فلما حاذى مردان سينه، خرج اليه وهو يحسب انه مغتّر، فصادفه معدّا «1» متاهّبا. فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم مردان سينه في اصحابه، فطلبه بهرام حتّى اخذه اسيرا «2» واراد قتله فقال استبقنى، حتّى اخرج معك، واكون كواحد من مرازبتك فأخذ منك الامان. فقال له بهرام: قد أعتقتك، ولا حاجة بى اليك. فأطلقه، وردّ عليه دابّته وسلاحه. ومضى بهرام في اصحابه بالسير الحثيث. فاضطرّه الليل الى قرية فتفرّق اصحابه، ونزل هو ومرازبته ويزدجشنس في بطن الخيام دار عجوز وامر بطعام فقدّم اليه، فأكلوا، واطعموا العجوز فضلتهم. فأكلت هى ايضا، ثمّ اخرجوا شرابهم. فدعا بقدح يشربون فيه. فقال له غلمانه: انّ الاقداح في الصناديق، وهى مقفلة. فقالوا للعجوز:
اما عندك قدح يشرب فيه؟ قالت: نعم. قال: فهاتى ما عندك! فأتته بقرعة. فقطع رأسها، فجعل يشرب فيها. ثم امرت بنقل، فاخرج اليه. ثمّ قال: اما عندك شى ء نلقي عليه هذا النّقل، فان الاوانى في الصناديق. فأتته بمنصف «3» من طين وسرقين. فأمر بذلك النقل فألقى عليه، فجعل يشرب هو واصحابه، ويتنقّل بذلك النقل، ويتحدّثون. فأمرهم بهرام ان تسقى العجوز بتلك القرعة من ذلك الشراب. فبقيت تحدثه. فقال لها بهرام: ما عندك من الخبر؟ قالت: ورد الخبر علينا ان كسرى أقبل بجيوش من الروم، فحارب بهرام وغلبه.
فقال لها: ما قولك في بهرام فيما كان مخطئا كان او مسينا «4» ؟ قالت: بلى، كان مخطئا جاهلا في طلبه الملك، وليس من اهله ولا مستحقّه. قال بهرام: من اجل ذلك، صار بهرام يشرب الشراب بالقرع ويتنقل النقل من مناسف «5» الطين والسرقين فأرسل ذلك مثلا،
(1) . النهاية: مهيئا.
(2) . ص: يسيرا
(3) . ص بمنصف، النهاية: بمنصرف، تاريخ والدينورى 98 بمنسف
(4) . تاريخ: مصيبا
(5) . ص: مناصف