غدا ان شاء الله، تعالى. فاجتمع الى كسرى خالاه بسطام وبندويه وسائر اصحابه الذين كانوا معه بارض الروم، وقالوا: نناشدك اللّه ان لا تبارز بهرام، فانه اسد زرقىّ مرسل وفارس الفرسان، وانّا لا نأمن ان يقتلك. فقال لهم وان قتلني فمه، هل يجوز لملك ان يدعى نصفّة فلا يجيب، ويأبى ان يجيبهم الى الجلوس عنه. فلما اصبحوا، زحف الفريقان بعضهم الى بعض فوقفوا مواقفهم تحت رايتهم، وخرج بهرام مبارزا عن صفّه ونادى كسرى، فقال: اخرج الىّ ان كنت تحاول ملكا، ولا تغفل لا تعرضّ اصحابك للهلاك. فخرج اليه كسرى برباطة جأشه وشدّة قلبه. فتطاعنا بين الصفّين مليّا، وقد كفّ الناس أعنة خيولهم ينظرون الى ما يكون من امرهما. فحمل بهرام على كسرى حملة الاسد الباسل، فراغ عنه كسرى، واراد ان ينصرف الى اصحابه. فركض بهرام حتى حال بينه وبين الرجوع الى اصحابه. فمضى كسرى الى «1» الجبل، واتبعه بهرام، حتّى انتهى كسرى الى مكان صعب لا تعمل فيه الدوابّ، فنزل عن دابتّه، وجعل يرتقى في الجبل، وجعل بهرام يسعى في اثره، ووقع على كسرى البهر والنفس فالتفت، فاذا بهرام يسعى في اثره، فرفع كسرى يديه جميعا الى السماء وقال: اللهم انى استجيرك من هذا الذى قد تبعنى يريد ان يسفك دمى ظلما وعدوانا، فاكفنيه يا كافى كيف شئت. فلما تكلّم بذلك، حدثت له من القوّة على السعى خلاف ما كان يسعى في الجبل، كانّه عقاب حتى انتهى الى شعفة جبل. فلما رأى بهرام ذلك، علم انّه قد أعيا عن ذلك، فانصرف عنه أسفا حزينا، حتّى اتى اصحابه، وقد كانوا ايسوا منه. فلما رأوه فرحوا به. وانّ كسرى اخبر اصحابه بابتهاله الى اللّه وما حدث له من القوّة. فرجوا ان يكون ذلك آية النصر. فبات كسرى ليلته. فلما اصبح، نهض الى القوم وثيادوس معه في اصحابه لا يفارقه، وقد اكتنفهما مائة من فرسان الروم وابطالهم يحامون عليهم. ودلف اليهما بهرام، فاقتتلوا قتالا شديدا. وعّض «2» اصحاب بهرام السيوف فانهزموا في آخر النّهار، حتّى انتهوا الى معسكرهم. فقال بندويه وبسطام لكسرى: ايّها الملك، انّ جنود بهرام انّماهم مرازبة ابيك واساورته، وليس يمنعهم من الانحياز اليك الا خوفا منك، افتأذن لى ان اعليهم الامان؟ قال كسرى: قد ولّيتك ذلك، فافعل ما ترى. فاقبل بندويه حتّى وقف على دابّته مشرفا على عسكر بهرام، فنادى بأعلى صوته فيهم: انا بندويه بن شهر بنداذ، وقد امرنى الملك كسرى ان اعطيكم الامان على ما سلف منكم وتقّدم من ذنوبكم. فمن انحاز الينا منكم في هذه الليلة، فهو آمن بأمان اللّه، فليبلغ الشاهد منكم الغائب. وسمع بهرام نداه، فركب، واقبل نحوه، فلما رآه بندويه، ولّى
(1) . النهاية وتاريخ: فى
(2) . النهاية عرض وتاريخ: عرصوا