واقبل «1» اليه احد العشرة الذين يعدّ كل رجل منهم بألف رجل «2» ، فقال لكسرى لقد رأيت منك نجدة وشجاعة ما رأيتها من احد، فكيف هربت الينا من قوّادك. ارنى قائدك الذى هربت منه، لاكفيك امره. فأصاب كسرى من تغّير الرومى له غضاضة، قال له ها هو صاحب الفرس الابلق، المتعجر بالعمامة الحمراء. فقصد الرومى نحوه. فلما رآه بهرام، علم انه يريده. فحمل عليه وضربه ضربة على مفرق رأسه وعليه البيضة والدرع، فقطعه بنصفين، حتى انتهى سيف بهرام الى سرج دابّته، فسقط الرومىّ بنصفين، وكسرى وثيادوس ينظران فاستضحك كسرى، فقال له ثيادوس: تنظر الى رجل من اصحابى قد قتل، ثمّ تضحك كانك مسرور بقتل اهل الروم. قال له كسرى: والله ما ضحكت سرورا بقتله، غير انه عيّرني، وقال لى: ما سمعت. فأحببت ان تعرف ضربات صاحبى الذى هربت منه.
ثمّ امر كسرى بذلك الرومى، فأخرج من المعركة، فضم القطعتين بعضهما الى بعض، مستويين، ولفّه بالكرابيس، ونثر عليه الصبر، وبعث به على البرد «3» الى قيصر، وكتب اليه ان قائدى الذى هربت منه اليك هذه ضرباته، فلا تضعّفنى في هربى منه. قال: ثم اقتتل الفريقان يومهما ذلك اشّد القتال، حتّى حال بينهما الليل فانصرفوا، وقد انتصف بعضهم من بعض. وابتكروا من الغد «4» الى الحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل في اليوم الثانى من الروم مقتله عظيمة، ولم يعجز احد الفريقين عن صاحبه الى ان حال بينهما الليل. فقال كسرى لجنود الروم: انّا قد اعفيناكم غدا من القتال، فتستريحوا وتحموا انفسكم، ودوابّكم «5» ثم قال لموشيل الارمنّى اليوم لك ولاصحابك من العجم الذين خرجوا الينا الى طاعتنا «6» ، وليستبين نصحهم لنا. فخرج اليوم الثالث الى الحرب موشيل الارمنى في اولئك العجم، وكانوا زهاء عشرين الف رجل «7» فقاتلوا وناصحوا وابلوا بلاء حسنا. وثبت لهم اصحاب بهرام، فلم يزالوا يضربون بالسيوف، حتى حال بينهم الليل. فلما امسوا ارسل بهرام الى كسرى انّه ليس من الانصاف ان يورد الرؤساء جنودهم موارد الهلكة، وينجون بأنفسهم، فاعطف على قومك واعف الفريقين عن القتال، واخرج غدا، ليكون القتال بينى وبينك خاصّة. فايّنا قتل صاحبه، استولى على الامر. فأرسل اليه كسرى انّى فاعل ذلك
(1) . تاريخ: علم ان كسرى من اهل النجدة والقوة لما ظهر له منه. فلما أبصرت الروم ما كان من كسرى في قتله، فامر عند ذلك بهم للحرب واقبل
(2) . تاريخ: مقاتل
(3) . تاريخ: البريد وهو الصحيح
(4) . تاريخ: الصباح
(5) . تاريخ: قال بينهما العسكر لجنوده من الروم انا قد اعطيناكم غدا عن القتال الى غدات عند دوابّكم
(6) . ولا صحابك وان كانوا هم خرجوا الينا والى طاعتنا
(7) . تاريخ: فارس