اعلاوه، ورقى في الجبل، حتّى دنا من باب الغار. فلما أحسن به القرد، وقف على باب الغار، وجعل يرميه رميا متتابعا «1» . ومع بهرام درقة وقوس ونشب. فجعل بهرام يستتر بالدرقة، حتّى اذا قاربه، وتر قوسه، ففوق فيها نشّابة. فلما نظر القرد اليه، وقد نزع ليرميه؛ وقف وراء الجارية، واستتر بها، لكى يمسك عن الرمى فنادى بهرام للجارية: ارفعى عضدك قليلا! فرفعت الجارية عضدها، ورماه بهرام، فدخلت النشابة بين عضد الجارية، ونفذت في أبط القرد، حتّى خرجت من الجانب الآخر. فلما مسّ القرد الرمية، دفع الجارية بيديه جميعا. فسقطت نحو بهرام، فبادرها، حتى اخذ بيدها، ثم اقبل بها حتّى انزلها الى القوم، وهم ينظرون. فدفعها الى امّها. وقال قد أخذت بثأرك ايتّها الملكة؟
قالت: اى والله، لقد فعلت، ثم قبّلت يديه ورجليه، ودعت له. فازداد عندهم كرامة وبرّا، ورفع منزلته. وجعله صاحب رأيه ومشورته، وامر جنوده بالسمع والطاعة له، ودفع اليه خاتمه. فكان أمره نافذا في جميع مملكة خاقان. فجمع كسرى اليه وزراءه ومرازبته، وقال: ان بهرام قد غلب على خاقان ملك الترك، ولست آمن ان يحمل خاقان على الغدر ونقض العهد الذى كان بينه وبين والدى، وانّه متى حمله على نقض العهد اجابه اليه. فما ترون؟ قال الموبذان: ايّها الملك ارى ان توجّه هرمزد جرابزين فانه ذو حيلة ومكيدة، وتجعله كهيئة الرسول ليزداد في مدة الصلح، ويجدّد العهد، ويحمل معه الى خاقان هدايا، ليسكن خاقان اليها، وتقع منه موقعا. وتأمر هرمزد جرابزين ان لا ينصرف اليك الا بقتل بهرام، والفراغ من امره. وكان هرمزد جرابزين من اخبث العجم واكثرهم مكرا. فأرسل اليه كسرى، ودعا به، واخبره بما بلغه من قدر بهرام بارض الترك، ومحبّة خاقان له، وتفضيله ايّاه. واني لا آمن ان يحمل الملك عليّ حتى يثور بي، وانّى قد عزمت على ان ابعثك اليه، واحمل معك هدايا قد هيّأتها له. فأقم عنده الى ان يأمرك بالانصراف. واكثر الدخول عليه في مقامك عنده. فاذا اصبت منه خلوة، ففهمه امر بهرام وغدره ونكثه، ومالقى الملك والدى منه، وخوّفه مانالنا من شرّته، حتّى تجنّت نفسه عليه. وتحمله على الخوف منه، فان ذلك داعية الى قتله. فقال هرمزد جرابزين: انا خارج اليه، وغير مقصر فيما يمكننى. فهّيأ هدايا كثيرة من المراكب البخارية والخيل العربية والسيوف اليمانية والدروع السابغة والجواشن المذّهبة والكساء الفاخرة واصناف الجوهر الثمين. فسار هرمزد جرابزين، حتّى وافى خراسان، فاستقبله بسطام خال كسرى، وكان عامله على خراسان، وسار معه مشيّعا له، حتّى جاز به النهر الاعظم مما يلى مدينة امرى «2» . ثم وغل
(1) . النهاية: متداركا
(2) . النهاية: اددى