اشتملت بسلاحه كهيئة الرجال، ثمّ خرجت وبيدها رمح امام القوم. فأقبل برتغ اخو خاقان فاعترض، لها، ليمنعها من الخروج عشقا بها. فحملت عليه بالقناة فطعنته في صدره، فخرّ برتغ ميّتا. فتمّكن منها اصحاب برتغ واناس كثير من اهل بيته، وقالوا ما نحن بمفارقيها حتى نقتلها. فبلغ ذلك خاقان، فقال: لا يبعد الله غيره ان كان بالامس قتلوا اخاها، واليوم يتعرّضون لها. ثم ارسل صاحب حرسه، وامره ان يضرب من يتعرّض لها. فأقبل صاحب الحرس حتى منع الناس عنها. فخرجت مع القوم، ومعهم صاحب التوديع. وعبر اصحاب بهرام النهر الاعظم، وساروا على جرجان وطبرستان على ساحل البحر، حتى خرجوا الى ارض الديلم، فسألوا الديلم السكن معهم. فأجابوهم الى ذلك، واعظموا لهم العهود والمواثيق على نصرتهم وحسن مجاورتهم، واقاموا معهم آمنين.
تفسير ما كان من مقتل بندويه خال كسرى، وخروج بسطام على كسرى، وخلعه اياه، والحرب الّتى كانت بينهم الى آخر الامر
قال: ولما استدفّ الامر لكسرى، وقوى ركنه، وعظم سلطانه بعد قتل بهرام امن من اعدائه، ففكر ما فعل خالاه بندويه وبسطام بأبيه هرمزد من قتلهما ايّاه، وما كان من عظماء مرازبته من خلعهم ايّاه وتنكيسهم ايّاه عن سريره؛ فكان يغلي ذاك في جوفه، واخذه القلق، وتغيّظ عليهم. وقد كان اسند اموره الى بندويه، وكان نافذ الامر في مملكته. وولى بسطام خراسان الى حدّ الرى. فكان ينظر الى بندويه بالحنق الشديد، ولا يظهر له شيئا من ذلك، حتّى مضت عشر سنين. فعيل صبره عن تركه الطلب بثأر أبيه. ثم خرج الى الماه ليصيف بها في مرازبته ووزارئه وعامة جنوده، وخاله بندويه معه مستول على جميع اموره. فسار حتى نزل حلوان، فأقام بها ايّاما. ثم انّه امر ذات يوم ان يضرب له قبّة على طرف الميدان لينظر منها الى اساورته ومرازبته بالخروج الى الميدان. فخرجوا، وجلس كسرى في القبة ينظر اليهم. فأعجبه رجل من مرازبته. وكان اذا ضرب، فأجاد، قال له كسرى: زه استوار «1» ! حتّى قالها مائة مرّة. وكانت العجم، اذا قالوا «زه» فللمقول صلة اربعة آلاف درهم. فأحصى الموكّل منه بذلك، فبلغ مائة مرّة. فكتب الى بندويه باربع مائة الف درهم. فلما وصلت الرقعة الى بندويه باربعمائة الف درهم؛ خرقها، ورمى بها من يده، وقال: ان بيوت الاموال لا تقوم بهذا التبذير. فانصرف الرسول، واعلم كسرى ذلك. فغضب كسرى على بندويه، فردده عليه غضبا هيج حقده وذكره قديم جرمه وعظيم ذنبه. وامر
(1) . دينورى 105: سوار