ولما كان هيكل لا يثق بكتب الحديث والسيرة،فهو يرى (أن أصدق مرجع للسيرة إنما هو القرآن الكريم فإن فيه إشارة إلى كل حادث من حياة النبي العربي صلى الله عليه وسلم ،يتخذها الباحث منارا يهتدي به في بحثه، ويمحص على ضيائه ما ورد في كتب السيرة المختلفة) 26.وهي كلمة حق أريد بها باطل ، وذلك أنه لا يثق في كتب الحديث والسيرة بدعوى أنها لا توافق القرآن الكريم ،وكأن القرآن جاء جامعا لكل تفاصيل السيرة النبوية! ولو جارينا هيكل في هذه الدعوى ، لكان من حق كل واحد منا-كما يقول مصطفى صبري- (أن يقوم فيرد كل ما ورد به كتاب حياة محمد تقريبا بحجة أنه لم يرد به القرآن !وكان الواجب على هيكل أن يحجم عن تأليف كتابه هذا الذي أسماه حياة محمد فمن أي مصدر كتب ما كتبه فيه،إن كانت كتب السيرة والحديث غير جديرة بالثقة والتعويل، وأصحابها متهمين بالأغراض السياسية والدينية؟!) 27.بل التشكيك في كتب الحديث والسيرة على الإطلاق يؤدي إلى التشكيك في القرآن أيضا، لأن تلك الكتب هي المرجع أيضا في مسألة جمع القرآن، وما التزم فيه من الدقة في ضبط الأصل،وليس لهيكل بأن يتعزى بأن القرآن جمع قبل طروء الفساد على الروايات، لأن نبأ هذا الجمع أيضا يصل إلينا من طريق رواة الحديث والسيرة المطعون في أماناتهم28.
والغريب أن هيكل في الوقت الذي يشكك في كتب الحديث والسيرة ، نجده يصرح في مقدمة كتابه أن كتب المستشرقين عاونته كما عاونته كتب السيرة والتفسير في الاهتداء إلى غاية يطمئن إليها!29وأي غاية يمكن الاطمئنان إليها من خلال كتب المستشرقين؟ إنهم ينقلون عن مصادرنا ويحرفون ويؤولون لحاجة في أنفسهم إلا قليلا منهم، فكيف نطمئن إلى كتبهم ، ولا نطمئن إلى كتب الحديث والسيرة؟!إن هذا لشيء عجاب!