الصفحة 20 من 59

هذا الحديث أنكره حسين مؤنس في كتابه ( دراسات في السيرة النبوية) ،ورد على القاضي عياض الذي ذكر في كتابه الشفا أن رسول الله خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير زهدا في الطعام،فكل ذلك يقول الكاتب (يتنافى مع ما ينبغي للنبي من طبع لين لا تشدد ولا تكلف فيه ، ولماذا والله لا يشبع رسول الله من خبز ؟ وأي حكمة أو فضيلة في ذلك ما دام خبز الشعير ميسورا لأفقر أصحابه يملأ منه بطنه متى أراد؟ ) 67.

وهذا مردود على الكاتب وما ذهب إليه القاضي عياض حق وتشهد له الأحاديث الصحيحة.روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية فدعوه فأبى أن يأكل وقال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير68.وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: ( ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم) 69.وقد وردت الآيات في هذا المعنى بألفاظ مختلفة ، ولمن أراد التوسع في ذلك أن يرجع إلى كتب الشمائل فقد اشتملت من ذلك على جملة صالحة.ولقد كان من اليسير على النبي لو أراد أن يعيش كما يعيش الأغنياء والمترفون، لكنه آثر الآخرة على الدنيا لعلمه بحقيقة الدنيا،ولذلك لما اشتكت إليه زوجاته رضي الله عنهن شظف العيش الذي هن فيه وسألنه النفقه آلى منهن شهرا لشدة موجدته عليهن ، ونزل في ذلك قرآن يتلى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) 70. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) 71،قال ابن بطال: ( فيه دليل على فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفر نعيم الآخرة وإيثارا لما يبقى على ما يفنى فينبغي أن تقتدي به أمته في ذلك) 72.وهذه هي الحكمة الجليلة التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت