ونحن نتفق مع الكاتب في اعتبار القرآن الكريم المصدر الأوثق للسيرة النبوية ، بحيث يرد كل ما يعارضه مما ورد في مصادر السيرة الأخرى، لكن لا نتفق معه في منهج التشكيك هذا الذي اعتمده بإطلاق ، وحاول به نسف مرويات السيرة، لأن ما تذرع به لا يكفي للطعن فيها، إذ إن اختلافها حول الحدث الواحد، والتناقض فيما بينها لا يعني ردها كلها، بل فيها الصحيح والضعيف والراجح والمرجوح، فنقبل الأول ونرد الثاني وفق قواعد المحدثين.هذا إذا تعذر الجمع فيما بينها، بوجه من الوجوه،أما إذا أمكن ذلك فالجمع مقدم على الترجيح كما هو معلوم عند أهل الشأن.
هذا فضلا عن أن القرآن الكريم لم يعرض لكل أحداث السيرة، بل عرض لبعضها فقط،أما تفاصيل الأحداث فمظنتها كتب الحديث والسيرة النبوية.ولو سلمنا بدعوى دروزة، لافتقدنا كثيرا من أحداث السيرة،وكثيرا من تفاصيلها.
وبناء على هذا المنهج فالأستاذ دروزة لا يسلم بوقوع أذى بدني على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، بحجة اختلاف نصوص الروايات مع وحدة الشخص المعزو إليه ارتكاب الإثم في بعضها، وعدم ذكر القرآن شيئا ما يدل على وقوع الأذى فعلا، واستثنى المؤلف من ذلك رواية ما كان من رجمه وجرحه صلى الله عليه وسلم من قبل بعض الرعاع في الطائف، وعلل ذلك بأن الظروف التي وقعت فيها الرحلة إلى الطائف، وما وقع له فيها مما يدخل في دائرة الاحتمال كثيرا !5.