الصفحة 45 من 59

وممن أنكر أيضا هذه المعجزة الباهرة الشيخ دروزة، ومستنده في ذلك الموقف السلبي للقرآن إزاء تحدي الكفار،أي عدم إجابة القرآن مطالبة الكفار بالآيات .ورد ما رواه كثير من المفسرين من أن هذه المعجزة وقعت جوابا على تحدي الكفار كمارد ما ذهب إليه جمهورهم من كون الآيات الأولى من سورة القمر تشير إلى هذه المعجزة،ورأى هذا القول موضع نظر لأمرين: لكون السورة من المبكرات الأولى للنزول، وثانيا لم يحك في السور النازلة قبلها عن الكفار تحد وطلب بإتيان معجزة.ورجح ما ذهب إليه بعض المفسرين من حمل قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) 154على معنى أنه مقترب،أي أنه من أشراط الساعة،واعتبر هذا المذهب وجيها وينسجم مع الموقف السلبي للقرآن الكريم155.

أما دعوى أن الانشقاق ما كان جوابا على سؤال المشركين فباطلة، والمعتمد ما في الصحيح، أخرج البخاري من حديث أنس بن مالك (أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما) 156.والحديث صريح في أن انشقاق القمر كان جوابا على تحدي الكفار.قال ابن حجر: ( ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس فلعله سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم) 157.

وأما ما رجحه دروزة من حمل بعض المفسرين الآية على أنه من أشراط الساعة،فمرجوح، والراجح ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الإنشقاق حقيقة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم،بدليل ما بعده من قوله تعالى: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) 158،فإنه ظاهر في أن المراد بقوله تعالى: (انشق القمر) وقوع انشقاقه،لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة،وإنما قالوه في الدنيا بعد وقوعه إعراضا عن الآية وزعما منهم بأنها سحر159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت