على أن دعوى هيكل هذه إنما تلقفها من بعض المستشرقين ،كما تلقفها غيره أتباع كل ناعق .وإنما أُتي هؤلاء من ظنهم أن أول كتاب في الحديث هو كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس (ت 179هـ) ،وأول كتاب في السيرة كتاب المغازي لابن إسحاق ، فاعتبروا العقود الأولى من القرن الثاني بداية تدوين الأخبار والسير ، وليس الأمر كذلك ، فإن بواكير التدوين بدأت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي القرن الأول الهجري16.
ولست أرى حاجة إلى الإطالة في الرد على هذه الدعوى أكثر من هذا،فقد فصل القول في ذلك علماء أجلاء كالدكتور مصطفى السباعي في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) ، والدكتور صبحي الصالح في كتابه (علوم الحديث ومصطلحه) ، .. وآخرون.
أما الحديث الذي استدل به هيكل، وهو ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنكم ستختلفون من بعدي ، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فمني،وما خالفه فليس مني) فلم أقف عليه بهذا اللفظ، وساقه الشافعي بلفظ: (ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله) ورده بقوله: (ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر ) 17.وعلق الشيخ أحمد محمد شاكر على ذلك قائلا: (هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة كلها موضوع أو بالغ الغاية في الضعف، حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد،وأقرب رواية لما نقله الشافعي هنا فوهاه وضعفه رواية الطبراني في معجمه الكبير من حديث ابن عمرو نقلها الهيثمي في مجمع الزوائد 1/170 وقال:(فيه أبو حاضر عبد الملك بن عبد ربه ، وهو منكر الحديث) 18.