فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 841

يقول: العبد في حال غفلته يكون مبتلى برؤية نفسه، واقفًا مع شهود حسّه، مسجونًا بمحيطاته، محصورًا في هيكل ذاته. فإِذا أراد الله تعالى أن يرفع عنه الحجاب ويدخله في حضرة الأحباب، ألقاه إِلى ولي كل أوليائه، وعرفه سر خصوصيته واصطفائه، فلا يزال يسير به ويحاذيه ويخرق عليه عوائد نفسه ويغيبه عنها، ويزهدهُ في فلسه وجنسه، فإذا رآه الشيخ قد رق في حقه الحجاب، واستحق الانخراط في سلك الأحباب، فتح له الباب وقال له: ها أنت وربك، فإِذا زج في حضرة النور، ورفعت عنه الستور، أنكر الوجود بأسره، وأنكر وجود نفسه، فامتحق وجودُه في محبوبه، وانطوى شهوده في شهود معبوده، فأنشأ يقول: (أنا من أهوى ومن أهوى أنا، أنا المحب والحبيب، ليس ثم ثان) ، فإِذا تمكن في الشهود، وتحقق برؤية نور الملك المعبود، رُدَّ عليه صحوه ورجع إِليه سلوكه، فأثبت فرقًا في عين الجمع، قيامًا بوظائف الحكمة في عين شهود القدرة، فيكون الجمع في باطنه مشهودًا، والفرق على ظاهره موجودًا، فرقًا لفظيًّا لا حقيقيّا؛ أدبًا مع الربوبية وقيامًا بوظائف العبودية... (إِلى أن يقول) : ...وقوله: (فأطلق القول: أنا معبودي) . إِطلاق هذا القول لا يسلم له إِلا في حالة القوة والجذبة، وإلا فقد علمت ما وقع للحلاج وهو ولي الله حقّا، وفي معنى ذلك قيل:

ومن شهد الحقيقة فليصنها ... ... وإلا سوف يقتل بالسنان

كحلاج المحبة إذ تبدت ... ... له شمس الحقيقة بالتداني

وقال آخر:

بالسر إِن باحوا تباح دماؤهم ... ... وكذا دماء البائحين تباح

وقال ابن خلدون: (قتل الحلاج بفتوى أهل الظاهر والباطن، أهل الشريعة وأهل الحقيقة؛ لأنه باح بالسر، فوجبت عقوبته) . وممن أفتى بقتله الجنيد والشلبي، غيرة على السر أن يفشى لغير أهله، فالواجب كتم الأسرار، وإظهار شريعة النبي المختار (1) .

* ملحوظة:

(1) الفتوحات الإلهية، حاشية الإيقاظ، (ص:346، 347) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت