فهرس الكتاب
وذكر الشيخ محيي الدين في الباب الرابع والخمسين من الفتوحات ما نصه: اعلم أن أهل الله لم يضعوا الِإشارات التي اصطلحوا عليها فيما بينهم لأنفسهم، فإنهم يعلمون الحق الصريح في ذلك، وإنما وضعوها منعًا للدخيل بينهم، حتى لا يعرف ما هم فيه، شفقة عليه أن يسمع شيئًا لم يصل إليه، فينكره على أهل الله، فيعاقب على حرمانه، فلا يناله بعد ذلك أبدًا، قال: ومن أعجب الأشياء في هذه الطريق، بل لا يوجد إلا فيها، أنه ما من طائفة تحمل علمًا من المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والمتكلمين والفلاسفة، إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف منهم؛ لا بد من ذلك، إلا أهل هذه الطريق خاصة، فإن المريد الصادق إذا دخل طريقهم، وما عنده خبر بما اصطلحوه، وجلس معهم، وسمع منهم ما يتكلمون به من الِإشارات، فهم جميع ما تكلموا به، حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح، ويشاركهم في الخوض في ذلك العلم، ولا يستغرب هو ذلك من نفسه، بل يجد علم ذلك ضروريًّا لا يقدر على دفعه، فكأنه ما زال يعلمه، ولا يدري كيف حصل له ذلك، هذا شأْن المريد الصادق، وأما الكاذب فلا يعرف ذلك إلا بتوقيف، ولا يسمح له قبل إخلاصه في الِإرادة وطلبه لها أحد من القوم؛ ولم يزل علماء الظاهر في كل عصر يتوقفون في فهم كلام القوم، وناهيك بالِإمام أحمد بن سريج، حضر يومًا مجلس الجنيد، فقيل له: ما فهمت من كلامه؟ فقال: لا أدري ما يقول، ولكن أجد لكلامه صولة...ثم إن القوم لا يتكلمون بالِإشارة إلا عند حضور من ليس منهم، أو في تأْليفهم لا غير. ثم قال: ولا يخفى أن أصل الِإنكار من الأعداء المبطلين إنما ينشأ من الحسد، ولو أن أولئك المنكرين تركوا الحسد وسلكوا طريق أهل الله لم يظهر منهم إنكار ولا حسد، وازدادوا علمًا إلى علمهم. ولكن هكذا كان الأمر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم...وأشد الناس عداوة لأصحاب علوم الوهب الِإلهي في كل زمان أهل الجدال بلا أدب، فهم لهم من