فهرس الكتاب
أشد المنكرين؛ ولما علم العارفون ذلك عدلوا إلى الِإشارات، كما عدلت مريم عليها السلام، من أجل أهل الِإفك والِإلحاد إلى الِإشارة، فلكل آية أو حديث عندهم وجهان: وجه يرونه في نفوسهم، ووجه يرونه فيما خرج عنهم، قال تعالى: (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) ) [فصلت:53] فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة ليأنس المنكرون عليهم، ولا يقولوا: إن ذلك تفسير لتلك الآية أو الحديث، وقاية لشرهم ورميهم لهم بالكفر، جهلًا من الرامين معرفة مواقع خطاب الحق تعالى، واقتدوا في ذلك بسنن من قبلهم، وإن الله تعالى كان قادرًا أن ينص ما تأوله أهل الله وغيرهم في كتابه، كالآيات المتشابهات، والحروف أوائل السور، ومع ذلك فما فعل، بل أدرج في تلك الكلمات ألِإلهية والحروف أوائل السور، علومًا اختصاصية لا يعلمها إلا عباده الخُلَّص...ومع هذا التفاضل المشهور فيما بينهم ينكرون على أهل الله تعالى،.. فإن القوم لما عملوا بما علموا، أعطاهم الله تعالى علمًا من لدنه، بإعلام رباني أنزله في قلوبهم مطابقًا لما جاءت به الشريعة لا يخرج عنها ذرة!!
* وقفة قصيرة ثانية: بما أننا الآن نعيش لحظات في التفسير الِإشاري، فنريد أن نفهم النصوص فهمًا (إشاريًّا) . وعليه يكون المعنى (الإشاري) لعبارة (مطابقًا لما جاءت به الشريعة) هو: مطابق (أي: يشكل طبقة مقابلة) لما جاءت به الشريعة، وواضح أن هذا يعني أنهما منفصلان عن بعضهما. أما قوله: (لا يخرج عنها ذرة) فتحتمل معنيين (إشاريين) :
المعنى الأول: لا يخرج عنها (أي: عن الشريعة) ذرة، أي: واحدة، لتلتحق بالعلم اللدنِي، فلا يوجد في العلم اللدني ذرة واحدة خرجت إليه من الشريعة، فهما مختلفان جملة وتفصيلًا.