الصفحة 111 من 314

من سورة التوبة

(معاوضة المؤمنين المجاهدين في سبيل الله عن أنفسهم وأموالهم بالجنة)

قال تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} 111 - 112.

يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله بالجنة وهذا من فضله وكرمه وإحسانه فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له بتوفيقه بالجنة التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وصفة العقد والمبايعة بأن يبذلوا لله نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه لإعلاء كلمته وإظهار دينه يقاتلون في سبيل الله (فيقتلون ويقتلون) أي سواء قَتلوا أو قُتلوا أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة (وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن) التي هي أشرف الكتب وأعلاها وأكملها وهو تأكيد لهذا الوعد الصادق وأخبر بأنَّه قد كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه الكبار وهي التوراة المنزلة على موسى والإنجيل المنزل على عيسى والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (ومن أوفى بعهده من الله) فإنه لا يخلف الميعاد (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به) أي فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم (وذلك هو الفوز العظيم) الذي لا أعظم منه لأنه يتضمن السعادة الأبدية والرضا من الله الذي هو أكبر من نعيم الجنات، وقوله تعالى: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) هذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة كأنه قيل: من هم المؤمنون الذين لهم البشارة من الله بدخول الجنات ونيل الكرامات فقال هم (التائبون) أي الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات (العابدون) المتصفون بالعبودية لله والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت (الحامدون) لله في السراء والضراء والعسر واليسر المعترفون بنعم الله الظاهرة والباطنة المثنون على الله بذكرها وذكره في آناء الليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت