فهرس الكتاب
بحقه الأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما مقرونًا بعدم الإساءة فقال: (وبالوالدين إحسانًا) أي أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي؛ لأنهما السبب في وجود العبد ولهما من الإحسان إلى الولد والمحبة له والقرب منه ما قضي تأكد حقهما عليه ووجوب البر منه (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) أي إذا كبرا ووصلا إلى هذا السن الذي تضعف فيه قواهما فلا تؤذهما أدنى إيذاء ولا تسمعهما قولا سيئًا حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ (ولا تنهرهما) أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح ولا تزجرهما (وقل لهما قولا كريمًا) أي لينًا لطيفًا بتأدب وتوقير وتعظيم، ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح أمره بالقول الحسن والفعل الحسن فقال: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) أي تواضع لهما بفعلك ذلا لهما ورحمة واحتسابًا للأجر لا لأجل الخوف منهما والرجاء لما عندهما ونحو ذلك (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) أي ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتًا جزاء على تربيتهما إياك صغيرًا وهذا بيان لبعض الأسباب الموجبة للبر وأن الوالدين اشتركا في تربية بدنك وروحك بالتغذية والكسوة والحضانة والقيام بكل المؤن وبالتعليم والإرشاد والإلزام بطاعة الله والآداب والأخلاق الجميلة (ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا) أي أن الله تعالى مطلع على أسراركم وضمائركم ونياتكم يعلم ما تكنونه من خير وشر (إن تكونوا صالحين) بأن تكون إرادتكم ومقاصدكم دائرة على مرضاة الله ورغبتكم فيما يقربكم إليه (فإنه كان للأوابين) الرجَّاعين إليه في جميع الأوقات من المعاصي إلى الطاعات والتوبة مما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه (غفورًا) لذنوبهم وسيئاتهم إذا تابوا منها، ولما ذكر تعالى بر الوالدين عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام فقال (وآت ذا القربى حقه) من البر والإكرام الواجب والمسنون (والمسكين) أعطه حقه من الزكاة وغيرها لتزول مسكنته (وابن السبيل) وهو الغريب المنقطع عن بلده (ولا تبذر تبذيرًا) لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه بل يكون وسطًا كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [1] الآية ثم قال منفرًا عن السرف والتبذير (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) أي أشباههم في ذلك والتبذير الإنفاق في غير حق ولا مصلحة ومن التبذير النفقة في معصية الله وما يوصل إليها كاشتراء الصور ذوات الأرواح والأشرطة التي سجل فيها أغاني، وإنفاق المال في الدخان الخبيث ونحو ذلك فكل هذا وما في معناه فالنفقة فيه إسراف وتبذير والله لا يحب المسرفين وقد أخبر أن المبذرين إخوان
(1) سورة الفرقان آية 67.