الصفحة 138 من 314

من سورة الحج

عظم زلزلة الساعة وأهوالها

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} [1] يخاطب الله الناس كافة بأن يتقوا ربهم الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة، فحقيق بهم أن يتقوه بترك الشرك والفسوق والمعاصي ويمتثلوا أوامره فيما استطاعوا، ثم ذكر ما يعينهم على التقوى ويحذرهم من تركها وهو الإخبار بما يستقبلونه من أهوال القيامة وزلازلها وأحوالها فقال (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) هائل لا يقدر ولا تعلم صفته ذلك بأنها إذا وقعت الساعة رجفت الأرض فارتجت وزلزلت زلزالها وتصدعت الجبال واندكت وكانت كثيبًا مهيلا ثم كانت هباء منبثًّا. ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون فهناك تنفطر السماء وتكور الشمس والقمر وتنتثر النجوم ويكون من الحوادث المزعجة ما تنصدع له القلوب وتشيب منه الولدان ولهذا قال: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) أي تندهش الوالدة عن ولدها في حال إرضاعها له فتشغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها والتي هي أشفق الناس عليه. (وتضع كل ذات حمل حملها) أي قبل تمامه لشدة الفزع والهول (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) أي تحسبهم أيها الرائي لهم سكارى من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه فدهشت عقولهم وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى وليس كذلك (ولكن عذاب الله شديد) فلذلك أذهب عقولهم وفرغ قلوبهم وملأها من الفزع وبلغت القلوب الحناجر وشخصت الأبصار في ذلك اليوم {لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [2] ويومئذ

يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ

شَانٌ يُغْنِيهِ [3] وهناك {يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا} [4] وتسودُّ حينئذ وجوه وتبيض وجوه وتنصب الموازين التي يوزن بها مثاقيل الذر من الخير أو الشر، وتنشر#

(1) سورة الحج آية 1 - 2.

(2) سورة لقمان آية 33.

(3) سورة عبس آية 34 - 37.

(4) سورة الفرقان آية 27 - 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت