الصفحة 141 من 314

كما قال تعالى {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [1] وإذا ملك العبد لسانه إلا في الخير كان مالكًا لأمره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما وصاه بوصايا: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله قال قلت بلى يا رسول الله قال: كف عليك هذا» [2] فمن صفات المؤمنين الحميدة كف ألسنتهم عن اللغو والمحرمات (والذين هم للزكاة فاعلون) أي مؤدون لزكاة أموالهم على اختلاف أجناسها ومزكُّون لأنفسهم عن أدناس الأخلاق ومساوئ الأعمال التي تزكو النفوس بتركها كما قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [3] فلما أحسنوا في عبادة الخالق بالخشوع أحسنوا إلى خلقه بأداء الزكاة (والذين هم لفروجهم حافظون) أي الذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا ودواعيه كالنظر واللمس والخلوة بالأجنبية واللواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم أو ما ملكت أيمانهم من السراري المملوكات ومن تعاطى ما أحله الله فلا لوم عليه ولا حرج ولهذا قال (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) أي من طلب غير الأزواج والإماء فأولئك الذين تعدوا ما أحل الله إلى ما حرمه (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) أي مراعون لأماناتهم وعهودهم ضابطون لها حريصون على القيام بها وتنفيذها، فإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا عاهدوا وفوا ولم يغدروا. وهذا عام في جميع الأمانات التي هي حق الله والتي هي حق للعباد، فجميع ما أوجبه الله على عبده أمانة عليه حفظها بالقيام التام بها، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين كالأموال والأسرار ونحوهما فعلى العبد مراعاة الأمرين وأداء الأمانتين {إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [4] وكذلك العهد يشمل العهود التي بينهم وبين العباد والتي يلتزمها العبد لله فعليه مراعاتها والوفاء بها (والذين هم على صلواتهم يحافظون) يداومون عليها في أوقاتها وشروطها وأركانها فمدحهم بالخشوع في الصلاة والمحافظة عليها؛ لأنه لا يتم أمرهم إلا بالأمرين فمن يداوم على الصلاة من غير خشوع أو يخشع فيها من غير محافظة عليها فإنه مذموم ناقص. ولما وصف الله المؤمنين بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال (أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) والفردوس أعلى الجنة ووسطها وأفضلها؛ لأنهم حُلُّوا من صفات الخير أعلاها وذروتها، والمراد بذلك جميع الجنة ليدخل بذلك عموم#

(1) سورة الفرقان آية 72.

(2) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

(3) سورة الشمس آية 9.

(4) سورة النساء آية 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت