فهرس الكتاب
العذاب (إنها ساءت مستقرًا ومقامًا) أي بئست النار مسكنًا ومستقرًا، هذا على جهة التضرع إلى الله وشدة الحاجة إليه في صرف هذا العذاب وأنه ليس في طاقتهم احتماله.
(والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا) أي إذا أنفقوا النفقات الواجبة والمستحبة (لم يسرفوا) بأن يزيدوا على الحد فيدخلون في قسم التبذير وإهمال الحقوق الواجبة (ولم يقتروا) يضيقوا على أنفسهم وأولادهم ومن تلزمهم نفقته (وكان بين ذلك قوامًا) كان إنفاقهم بين الإسراف والتقتير وسطًا بقدر الحاجة فبذلوا في الواجبات من الزكوات والكفارات والنفقات الواجبة في ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي من غير ضرر ولا إضرار (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر) بل يعبدونه ويوحدونه مخلصين له الدين حنفاء مقبلين عليه معرضين عما سواه في جميع شؤونهم.
(ولا يقتلون النفس التي حرم الله) وهي نفس المسلم والكافر المعاهد (إلا بالحق) كقتل النفس بالنفس والزاني المحصن والكافر الذي يحل قتله (ولا يزنون) لا يفعلون جريمة الزنا بل يحفظون فروجهم (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (ومن يفعل ذلك) الشرك أو قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق أو الزنا (يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا) أي يخلد في العذاب ويلقى الذل والإهانة فيه، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: فالوعيد بالخلود على فعلها كلها ثابت لا شك فيه وكذلك لمن أشرك بالله وكذلك الوعيد بالعذاب الشديد على كل واحد من هذه الثلاثة لكونها إما شركًا وإما من أكبر الكبائر. وأما خلود القاتل والزاني في العذاب فإنه لا يتناوله الخلود لأنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن جميع المؤمنين يخرجون من النار ولا يخلد فيها مؤمن ولو فعل من المعاصي ما فعل، ونص تعالى على هذه الثلاثة لأنها أكبر الكبائر فالشرك فيه فساد الأديان والقتل فيه فساد الأبدان، والزنا فيه فساد الأعراض والأنساب. اهـ. (إلا من تاب) عن هذه المعاصي وغيرها بأن أقلع عنها في الحال وندم على ما مضى من فعلها وعزم عزمًا جازمًا أن لا يعود إليها أبدًا في المستقبل، (وآمن) بالله إيمانًا يقتضي ترك المعاصي وفعل الطاعات (وعمل عملا صالحًا) خالصًا لله جاريًا على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) أي تتبدل أقوالهم وأفعالهم التي كانت مستعدة لعمل السيئات تتبدل حسنات، فيتبدل شركهم إيمانًا ومعصيتهم طاعة وتتبدل نفس السيئات التي عملوها ثم أحدثوا لكل ذنب منها توبة وإنابة وطاعة تتبدل حسنات كما هو ظاهر الآية. (وكان الله غفورًا رحيمًا) لمن تاب يغفر الذنوب العظيمة رحيمًا بعباده المؤمنين حيث دعاهم إلى التوبة ثم وفقهم لها ثم قبلها منهم (ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا) فليعلم أن توبته في غاية الكمال لأنها رجوع إلى الطريق الحق المستقيم الموصل إلى الله#