الصفحة 147 من 314

الذي هو عين سعادة العبد وفلاحه فيها وليخلصها من شوائب الأغراض الفاسدة.

(والذين لا يشهدون الزور) أي لا يحضرون الزور وهو القول والفعل المحرم فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة والأفعال المحرمة كالخوض في آيات الله والجدال بالباطل والغيبة والنميمة والسب والقذف والاستهزاء والغناء وشرب الخمر وفرش الحرير والصور ونحو ذلك. وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ولا يفعلوه وشهادة الزور داخلة في قول الزور (وإذا مروا باللغو) وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة دينية ولا دنيوية (مروا كرامًا) نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه ورأوا أنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة وفي قوله (وإذا مروا باللغو) إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره ولا سماعه، ولكن عند المصادفة التي من غير قصد يكرمون أنفسهم عنه.

(والذين إذا ذكروا بآيات ربهم) التي أمرهم باستماعها والاهتداء بها (لم يخروا عليها صمًا وعميانًا) أي لم يقبلوها بالإعراض عنها وعدم سماعها، وصرف النظر والقلوب عنها كما يفعله من لم يؤمن بها ويصدق، وإنما حالهم أنهم يقابلونها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتسليم لها وتجد عندهم آذانًا سامعة وقلوبًا واعية فيزداد بها إيمانهم ويتم بها إيقانهم وتحدث لهم نشاطًا ويفرحون بها سرورًا واغتباطًا (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) أي الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم وإخوانهم وأزواجهم ومن ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له فتقر أعين والديهم بهم (واجعلنا للمتقين إمامًا) أي أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية درجة الصديقين والكمل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم يُقتدى بأفعالهم، ويُطمأن لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون، ودرجة الإمامة في الدين إنما تنال بالصبر واليقين كما قال تعالى {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [1] ولما كانت هممهم ومطالبهم عالية كان الجزاء من جنس العمل فجازاهم الله بالمنازل العاليات فقال (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) أي المنازل الرفيعة الجامعة لكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وذلك بسبب صبرهم كما قال تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [2] ولهذا قال هنا (ويلقون فيها تحية وسلامًا) من ربهم ومن ملائكته الكرام ومن بعضهم على بعض ويسلمون من جميع المكدرات (قل ما يعبأ بكم ربي#

(1) سورة السجدة آية 24.

(2) سورة الرعد آية 23 - 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت