فهرس الكتاب
القيامة وأهوالها ونجاوز بكم الصراط المستقيم ونوصلكم إلى جنات النعيم ونهنئكم بذلك {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [1] ويقولون لهم أيضًا (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون) أي في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس وتقر به العيون (ولكم فيها ما تدعون) ما تطلبون مهما طلبتم وجدتم وحضر لكم بين يديكم من اللذات والمشتهيات من المأكولات والمشروبات والملابس والمراكب والمناكح والبساتين والأنهار الجارية والغرف العالية وغير ذلك (نزلا من غفور رحيم) أي هذا الثواب الجزيل والنعيم المقيم ضيافة وعطاء وإنعام من غفور لذنوبكم رحيم بكم حيث وفقكم لفعل الحسنات ثم قبلها منكم وأثابكم عليها فغفر وستر ورحم ولطف فبمغفرته أزال عنكم المحذور وبرحمته أعطاكم المطلوب فله الحمد والشكر والثناء أولا وآخرًا وفي الحديث أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم حدثني بأمر أعتصم به قال قل ربي الله ثم استقم [2] ثم قال تعالى مرغبًا في الدعوة إلى الله (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله) أي لا أحسن قولا أي كلامًا وطريقة وحالة ممن دعا عباد الله إليه بتعليم الجاهلين ووعظ الغافلين والمعرضين ومجادلة المبطلين بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها والحث عليها وتحسينها مهما أمكن والزجر عما نهى الله عنه وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه خصوصًا الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال تعالى: (وعمل صالحًا) أي مع دعوته الخلق إلى الله بادر هو بنفسه إلى امتثال أمر الله بالعمل الصالح الذي يرضي ربه (وقال إنني من المسلمين) أي المستسلمين لأمر الله المنقادين لطاعته وهذه الآية عامة في كل من دعى إلى خير وهو في نفسه مهتد، وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء الذين يدعون إلى الصلاة بالأذان، والصحيح أنها عامة في المؤذنين وغيرهم من الدعاة إلى الله، ثم قال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) أي لا يستوي فعل الحسنات والسيئات والطاعات والمعاصي ولا يستوي الإحسان إلى الخلق والإساءة إليهم لا في ذاتها ولا في وصفها ولا في جزائها (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (ادفع بالتي هي أحسن) أي من أساء إليك فادفعه بالإحسان إليه وذلك بأن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) أي قريب شفيق والمعنى إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى محبتك ومصافاتك
(1) سورة الرعد آية 23 - 24.
(2) رواه مسلم بلفظ: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدًا غيرك.