الصفحة 182 من 314

2 -الأمر بالتذكير وبيان الحكمة في خلق الجن والإنس

قال الله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} الذاريات 54 - 58.

يقول الله تعالى: آمرًا رسوله بالإعراض عن المعرضين المكذبين لرسوله بعد ما بلغتهم رسالة الله «فتول عنهم» أي أعرض عنهم ولا تبال بهم «فما أنت بملوم» أي لا لوم عليك في ذنبهم وإعراضك عنهم وإنما عليك البلاغ وقد أديت ما حملت وبلغت الرسالة قيل وهذا قبل الأمر بجهادهم «وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين» أي بالقرآن بما فيه من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والوعد والوعيد وإنما ينتفع بالذكرى القلوب المؤمنة التي ترجو الثواب وتخاف العقاب وتؤمن بالحساب. والتذكير نوعان: تذكير بما عرف بمجمله ولم يعرف تفصيله فإن الله قد فطر الخلق على محبة الخير وإيثاره وكراهة الشر والزهد فيه، وشرعه موافق لذلك فكل أمر ونهي من الشرع فهو من التذكير. والنوع الثاني من التذكير تذكير بما هو معلوم للمؤمنين، ولكنهم غفلوا عنه وذهلوا وغاب عن أذهانهم فيذكرون بذلك ما نسوه أو غفلوا عنه ليرسخ في أذهانهم وينتبهوا ويعملوا بما تذكروه، وتمام التذكير أن يذكر ما في الأمور به من الخير والحسن والمصالح وما في المنهي عنه من القبح والشرور والمضار، وذكر الله أن الذكرى تنفع المؤمنين لأن ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة إلى الله واتباع رضوانه يوجب لهم أن تنفع فيهم الذكرى وتقع الموعظة منهم موقعها، وأما من ليس معه إيمان ولا استعداد لقبول الذكرى فهذا لا ينفع تذكيره بمنزلة الأرض السبخة التي لا يفيدها المطر شيئًا، وهؤلاء النوع من الناس لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون ولا يعملون حتى يروا العذاب الأليم، ولهذا قال الله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [1] ثم قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي ما خلقتهم إلا لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم ومعنى الآية أن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ومن عصاه عذبه

(1) سورة الأعلى آية 9 - 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت