الصفحة 190 من 314

طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات) (ومساكن طيبة في جنات عدن) أي جمعت كل طيب من علو وارتفاع وحسن بناء وزخرفة لا يأتي عليه وصف الواصفين، وبناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك وحصباؤها الدر والياقوت وتربتها الزعفران، ومن صفاء تلك المساكن والغرف أنه يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها وسميت جنة عدن لأن أهلها مقيمون فيها على الدوام لا يموتون ولا يخرجون منها ولا ينقطع عنهم نعيمها ولا يبغون عنها حولا، وذلك الثواب الجزيل والأجر الجميل هو (الفوز العظيم) الذي لا فوز مثله (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) [1] وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الجنة العظيمة بقوله «هي ورب الكعبة نور يتلألأ وقصر مشيد ونهر مطرد وريحانة تهتز وزوجة جميلة وثمرة نضيجة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية» [2] فهذا الثواب الأخروي، وأما الثواب الدنيوي لهذه التجارة فذكره بقوله: (وأخرى تحبونها) أي وأزيدكم على ذلك خصلة أخرى تحبونها وهي (نصر من الله) لكم على الأعداء يحصل بها العز والفرح (وفتح قريب) أي عاجل تتسع به دائرة الإسلام ويحصل به الرزق الواسع أي إذا قاتلتم في سبيل الله ونصرتم دينه تكفل بنصركم كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) [3] وقال تعالى: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [4] فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله ونصر الله ودينه.

ولهذا قال تعالى: (وبشر المؤمنين) أي بالثواب العاجل والآجل كل على حسب إيمانه وإن كانوا لا يبلغون مبلغ المجاهدين في سبيل الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وجبت له الجنة» فعجب لها أبو سعيد الخدري وقال أعدها علي يا رسول الله فأعادها عليه ثم قال وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين درجتين كما بين السماء والأرض فقال وما هي يا رسول الله قال: «الجهاد في سبيل الله» رواه مسلم. نسأل الله رب العرش العظيم بوجهه الكريم أن يتوفانا مسلمين مؤمنين مجاهدين في سبيله وأن يدخلنا الجنة برحمته وهو أرحم الراحمين وهو حسبنا ونعم الوكيل.#

(1) سورة آل عمران آية 185.

(2) رواه ابن ماجة وابن حبان.

(3) سورة محمد آية 7.

(4) سورة الحج آية 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت