الصفحة 203 من 314

ما يقربهم من عذاب الله (إن عذاب ربهم غير مأمون) أي لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله تبارك وتعالى: (والذين هم لفروجهم حافظن) أي يكفونها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه فلا يطأون بها وطأ محرمًا من زنا أو لواط أو وطء في دبر أو حيض ونحو ذلك ويحفظونها أيضًا من النظر إليها ومسها ممن لا يجوز له ذلك ويتركون أيضًا وسائل المحرمات الداعية لفعل الفاحشة كالسماع المحرم والنظر المحرم (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) من الإماء المملوكات (فإنهم غير ملومين) لا لوم عليهم في وطئهن في المحل المأذون فيه: (فمن ابتغى وراء ذلك) أي: غير الزوجة وملك اليمين (فأولئك هم العادون) أي: المتجاوزون ما أحل الله إلى ما حرم (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) أي: إذا ائتمنوا لم يخزنوا وإذا عاهدوا لم يغدروا وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربه والتي بينه وبين الخلق في الأموال والأسرار وكذلك العهد شامل للعهد الذي عاهدوا الله عليه والعهد الذي عاهدوا الخلق عليه فإن العهد يسأل عنه العبد هل قام به ووفاه أم رفضه وخانه ولم يقم به وهذه صفات المنافقين التي هي ضد صفات المؤمنين «إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» عياذًا بالله من ذلك. وقوله تعالى: (والذين هم بشهاداتهم قائمون) أي لا يشهدون إلا بما يعلمون من غير زيادة ولا نقص ولا كتمان {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [1] ولا يحابوا بها قريبًا ولا صديقًا ونحوه ويكون القصد بإقامتها وجه الله تعالى {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ} [2] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [3] .

(والذين هم على صلاتهم يحافظون) بالمداومة عليها على أكمل الوجوه على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها كما تقدم في أول سورة (قد أفلح المؤمنون) سواء ولهذا قال هناك (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) وقال هنا (أولئك في جنات مكرمون) أي الموصوفون بتلك الصفات قد أوصل الله لهم من الكرامة والنعيم المقيم وأنواع الملاذ والمسار ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وحاصل هذا أن الله وصف أهل السعادة والخير بهذه الأوصاف الكاملة والأخلاق المرضية الفاضلة من العبادات البدنية كالصلاة#

(1) سورة البقرة آية 283.

(2) سورة الطلاق آية 2.

(3) سورة النساء آية 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت