الصفحة 68 من 314

4 - (عدم مغفرة الله لمن لقيه وهو مشرك)

قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} سورة النساء آية 48.

الشرك بالله أكبر الكبائر وهو نوعان: أحدهما: صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله كأن يجعل لله ندًا يدعوه أو يرجوه أو يخافه أو يحبه كمحبة الله أو يعبده مع الله من حجر أو شجر أو شمس أو قمر أو نبي أو ولي أو شيخ أو نجم أو ملك أو إنس أو جن من حي أو ميت أو غير ذلك، وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفر الله لصاحبه وهو مبطل لجميع الأعمال ومخرج عن الملة الإسلامية وصاحبه خالد مخلد في النار.

والنوع الثاني: الشرك الأصغر وهو كل وسيلة إلى الشرك الأكبر ولم تبلغ رتبة العبادة كالياء والسمعة والحلف بغير الله. وصاحبه تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو يحبط العمل الذي قارنه.

وقد أخبر الله في هذه الآية أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدًا من المخلوقين ويغفر ما دون الشرك من الذنوب صغائرها وكبائرها لمن يشاء من عباده إذا اقتضت حكمته مغفرته فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض وشفاعة الشافعين وفوق ذلك كله رحمة أرحم الراحمين التي وسعت كل شيء وعمت كل مخلوق التي وعد بها أهل الإيمان والتوحيد، بخلاف المشرك فإنه قد سد على نفسه أبواب المغفرة وأغلق دونه أبواب الرحمة فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد ولا تفيده المصائب شيئًا وليس له يوم القيامة من شافعين ولا صديق حميم.

ولهذا قال تعالى: (ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا) أي ذنبًا كبيرًا. وقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [1] وأي ظلم أعظم ممن سوى المخلوق من تراب الناقص من جميع الوجوه الفقير بذاته من كل وجه الذي لا يملك لنفسه فضلا عمن عبده نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا بالخالق لكل شيء القادر على

كل شيء الكامل من جميع الوجوه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ ولهذا حتم على صاحبه بالخلود في#

(1) سورة لقمان آية 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت