فهرس الكتاب
2 - (من أدلة التوحيد)
قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} 55 - 57 الأعراف.
يقول الله تعالى مبينًا أنه الرب المعبود المالك المتصرف وحده لا شريك له: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض) وما فيهما من العوالم وأصناف المخلوقات على عظمهما وسعتهما وإحكامهما وإتقانهما وبديع خلقهما (في ستة أيام) أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة فلما قضاهما وأودع فيهما ما أودع من خلقه وأمره (استوى على العرش) استقر وصعد وعلا وارتفع كما فسره بذلك أهل السنة كما يليق بجلاله وعظمته وسلطانه (يغشي الليل) المظلم (النهار) المضيء، فيظلم ما على وجه الأرض ويسكن الآدميون وتأوي المخلوقات إلى مساكنها ويستريحون من التعب الذي حصل لهم في النهار (يطلبه حثيثا) كلما جاء الليل ذهب النهار وكلما جاء النهار ذهب الليل وهكذا أبدًا على الدوام حتى يطوى هذا العالم وينتقل العباد إلى الدار الآخرة (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) أي بتسخيره وتدبيره وما له من أوصاف الكمال، فخلقها وعظمها دال على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وعلمه وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له (ألا له الخلق والأمر) أي له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات فالخلق يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، ثم أحكام الجزاء وذلك يكون في دار البقاء (تبارك الله) عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير فكل بركة في الكون فمن آثار رحمته (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) أي اسألوه تعالى واعبدوه (تضرعا) إلحاحًا في المسألة واستمرار في العبادة وتذللا واستكانة (وخفية) أي سرًا لا جهرًا وعلانية يخاف منه الرياء بل خفية وإخلاصًا لله (إنه لا يحب المعتدين) المتجاوزين للحد في كل الأمور ومن