فهرس الكتاب
فإن نبي الهدى صلى الله عليه وسلم كان يحرص على الاعتكاف في ليالي العشر الأواخر من رمضان فقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان . (123) . وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله . (124) وهكذا كان دأب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، وفي هذا الشهر على وجه الخصوص ، ذلك أن شهر رمضان يُعدّ من الفرص العظيمة في حياة أي مسلم يشهد هذا الخير ، وحين يعتكف المسلم إنما يتخفف من آثار هذه الدنيا ، وتسمو روحه إلى تطلب الحياة الروحية الحقيقية التي يهيأ لها الاعتكاف نوعًا من هذا السمو الذي تنشده في حياتها . وإلى هذا المعنى أشار ابن القيّم رحمه الله تعالى فقال: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفًا على جمعيته على الله ، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى ، فإن شعث القلب لايلمه إلا الإقبال على الله تعالى ، وكان فضول الطعام والشراب ، وفضول مخالطة الأنام ، وفضول الكلام ، وفضول المنام مما يزيده شعثًا ، ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه: اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى ، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه ، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة ، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى ، وجمعيته عليه ، والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه ، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته ، فيستولى عليه بدلها ، ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره ، والتفكّر في تحصيل مراضيه وما يقرّب منه فيصير