الصفحة 78 من 89

الرحمة أيها المسلمون: في عامل ترك أهله وأبناءه منذ سنوات ، يبحث عن لقمة عيش لهم فيجهد لهم فلا يجد غير العرق برهانًا على جهده وعيشه الصعب . والرحمة أيها المسلمون في كل مخلوق حي أيًا كان هذا المخلوق سواء إنسانًا أو حتى حيوانًا . فلئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج ، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب ، فشكر الله تعالى له فغفر له . وفي رواية: إن امرأة بغيًا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش ، فنزعت له موقها فغفر لها به .(152) . فإن الرحمة بالمخلوق أعظم من هذا بكثير حتى قال: الغزالي: لئن كانت رحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا ، فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب . (153) . فأين هذه الرحمة من قلوب تحجرت ، ونسيت هذه المعالم الرحمانية فتأتي بالعمال من بلادهم لتأكل أموالهم أو لتأخّر حقوقهم أو حتى لتتناول عصا من حديد لتضربهم دون سبب واضح أو عذر مقبول . ونسوا هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ابن مسعود يضرب غلام له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك عليه . (154) . فإن لم يلحق هؤلاء الظلمة قصاص في الدنيا لوجاهتهم عند الناس فإن عرصات القيامة لا تستر الظالم من الفضيحة ، ولا تؤوي الآبق من الجريمة ، وسيرىحين يقف بين يدي الله تعالى هذه العواقب أوضح معالم الحياة العادلة هناك .

الباب المفتوح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت