الصفحة 77 من 89

يقول الغزالي رحمه الله: للرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الحلق ويسعى لإزالتها ، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى . هي كمال في الطبيعة لأن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة الحيوان ، ويسلبه أفضل ما فيه ، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ومن ثم كانت القسوة ارتكاسًا بالفطرة إلى منزلة البهائم ، بل إلى منازل الجماد الذي لايعي ولا يهتز . ...إن القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبدًا إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطعنان . إن القسوة في خلق إنسان دليل نقص كبير ، وفي تاريخ أمة دليل فساد خطير . اهـ رحمه الله . (151)

إن الرحمة أيها الصائمون تتمثّل في: اليتيم الذي يترقرق الدمع في عينيه ألا يجد من يواسيه فقد أبيه . وقد تراه أو تلمحه في زوايا بيوتات تشرئب عنقه حين رأى فاكهة أو حلوى قَدِم بها والد جيرانه إلى أهل بيته . أو حتى حين يخرج إلى زوايا المدرسة لا يجد ما يفطر به مع زملائه فيعود حبيس الفصل لا يشارك زملاءه فسحتهم . أو حين يشارك الناس في العيد لا يجد برهانًا على حاله أوضح من تلك الثياب التي هتّكها الزمن يشهد بها العيد مع أقرانه . والرحمة أيها الصائمون في جار فقير لا يجد قوت يومه أوليلته ، أو أرملة أبقاها الزمان وحيدة دون رفيق يحمل همها أو يشاركها في لأواء الحياة المريرة . أو مشلول أو مريض يقلبه أهله من سرير لآخر لا يجدون من يشاركهم هذه الهموم والآلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت