فهرس الكتاب
أمضى أغلب أيامه مرتحلًا قاصدًا العلم والعلماء في سبيل الحصول على العلم، متجهمًا مصاعب السفر، قاطعًا هذه المسافات الشاسعة على مطية لا يظلله غطاء، ولا يصحبه رجال، وليس معه من زاد إلا ما يقوي به ويسد صلبه، وغير إداوة يضع فيها الماء [1] . أهو رحالة؟ بل زاد، أهو مكتشف؟ بل زاد فلقد كان واهبًا نفسه للعلم فأدركه، وكان حجة وذا علم واسع، ساعده على ذلك تعرفه الحقيقي على الجغرافية الطبيعية، وعلى أحوال البلدان والمدن والأراضي التي زارها. فإذا كتب عن الردة أو عن فتوح الشام فإنما يكتب عن بلاد وأراض سار عليها واستراح فيها وأمعن النظر في سهولها وجبالها ووديانها أي أنه درس مسارح العمليات على الواقع والطبيعة؛ كما ساعده على ذلك أيضًا كثرة أساتذته ومشايخه الذين قرأ عليهم وأخذ منهم حتى بلغوا حوالي ألف وثلاثمائة من الرجال، ومن النساء بضع وثمانون امرأة [2] ، يضاف إلى ذلك أنه لم يترك منذ حداثة سنه العلم والتعليم إذا انتسب إلى مدارس دمشق والعراق كالمدرسة النظامية في بغداد، وأعجب به العراقيون ومن فهمه وكذلك في خراسان والبلاد التي حل بها [3] . وقد شهد بمقدرته العلمية العلماء والمشايخ الذين عاصروه، وأساتذته الذين درسوه وعلموه [4] . وكان يسمى ببغداد"شعلة نار"ويقول عنه محيي الدين النووي:"حافظ الدنيا"وكانوا يعتبرون ابن عساكر أحد أربعة من الأرض: ابن عساكر بالشام والسلفي بالإسكندرية وابن ناصر ببغداد وأبو العلاء بهمذان [5] ومن هنا ومن خلال ثقافته وأثره الكبير"تاريخ مدينة دمشق نخلص إلى القول: [6] "
(1) السبكي - طبقات الشافعية: 4/ 273.
(2) السبكي - طبقات الشافعية: 4/ 273،
(3) السبكي- طبقات الشافعية: 4/ 273، ابن العماد الحنبلبي - شذرات الذهب: 4/ 239.
(4) السبكي - طبقات الشافعية: 4/ 274. ابن العماد الحنبلي- شذرات الذهب: 4/ 239.
(5) السبكي - طبقات الشافعية.
(6) السبكي- طبقات الشافعية 4/276.