فهرس الكتاب
لم يشهد التاريخ مسرحًا أكبر جبهة وعمقًا ومساحة من المسارح التي خاضها أبو بكر الصديق، وخاضتها جيوشه. فقد وطئت سنابك الخيل أراضي شبه جزيرة العرب، ثم انتقلت إلى العراق فبلاد الشام. ومن الطبيعي أن الأرض بهيئاتها الطبيعية تختلف من مكان إلى آخر. فالعربي قد تعود أرض الجزيرة العربية ورمالها وجفافها وقلة المياه فيها، وارتفاع درجة الحرارة صيفًا، واختلافها في الليل والنهار، وانبساط مسرحها العملياتي وانكشافه، وتوفر ساحات القتال التي تصلح لقتال الخيل والمشاة، وعندما انتقل المقاتل من هذه الأرض، وجد مسرحًا يختلف عن الأول، فالمستنقعات، وزيادة البرودة، وكثافة المدن، وتمركز الحاميات حولها فرض على العرب أن يقاتلوا على مسرح فيه بعض التبديل والتغيير مما اضطرهم إلى أن يختاروا الأرض المناسبة التي قد توفر لهم بعض الشروط التي اعتادوها من قبل. ومن هذا المسرح إلى أرض الشام التي كانت مكسوة بخضرة نضرة، وأشجار ذات ثمار مختلفة، وأنهار متدفقة، وجبال فيها من برد، وسهول فيها من عشب، وطرق فيها من سهولة مما أتاح للجيوش العربية أن تمون قاعدتها المادية، وأن تجد المحاور التي يمكن أن تتحرك عليها، وتبقى مشكلة المنطقة التي تؤمن لهم شروط القتال، والمناورة بالقوى والوسائط وحلت هذه المشكلة بانتقاء المسرح والأرض والموقع المناسب، أي أن العرب اختاروا الأرض وفرضوا على عدوهم أن يقاتل فيها، وهم لا يزالون متأثرين بمسرح شبه جزيرة العرب.
صفات مسارح العمليات