إن القضاء في الإسلام يقع وفق الإثبات المظهر للواقعة والحق أمام القاضي فإذا كان الإثبات صحيحًا في الظاهر والباطن ومطابقًا للواقع وصادقًا في نفس الأمر فإنه يؤثر في المدعى به ظاهرًا وباطنًا فيحكم للمدعى بالشيء ظاهرًا ويحل له أخذه واستعماله واستغلاله وتملكه والاستفادة منه باطنًا فيما بينه وبين الله أي ينفذ الحكم في الدنيا والآخرة . أما إذا كان الإثبات غير مطابق للواقع وكان ظاهره يخالف باطنه فإن حكم الحاكم المبني على الإثبات لا يحل حلالًا ولا يحرم حرامًا ولا يغير الشيء عما هو عليه في الواقع ونفس الأمر وإنما ينفذ في الظاهر فقط عند من لا يعلم الحقيقة والباطن وتترك البواطن لله وترتبط بالحساب والعقاب الأخروي لعموم حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله ( قال:( إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها ) ، وفي لفظ ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ) (18) . وفي الصحيحين ( من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ) (19) .
ويجدر بالذكر أن هذا المبدأ تختص به الشريعة الإسلامية ، ففي القوانين الوضعية لا يبحث في نفاذ الحكم ظاهرا وباطنًا لأنه بحث يستند إلى قضية الحلال والحرام من الجانب الديني ولذا لم يتعرض له شراح القوانين لكنهم يعترفون أن القضاء نسبي وأن أحكام القضاء ظنية ولكنهم اعتبروا الحكم القضائي مع احتمال الخطأ من القاضي والتزوير في البينة اعتبروه حقيقة واقعة ولو على حساب العدل ومنح الحكم القضائي قوة القضية النافذة ظاهرًا وباطنًا .