الصفحة 22 من 127

4-ومن مظاهر المساواة أمام القضاء في عهد الدولة العباسية، حادثة الحكم ضد الخليفة المنصور، فقد ادعى عليه جماعة حقًا لهم أمام القاضي محمد بن عمران الطلحي، فأرسل القاضي إلى الخليفة يستدعيه، فاستجاب الخليفة وحضر مجلس القضاء، وأجلسه القاضي مع الخصوم، وبعد سماع أقوال طرفي القضية حكم القاضي ضد الخليفة، وبعد انصراف الناس وعودة الخليفة إلى دار الخلافة استدعى القاضي الطلحي ، فذهب وهو يخشى غضب السلطان، ولما مثل بين يديه قال له المنصور: جزاك الله عن دينك ونبيك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء (44) .

والناظر بدراسة دقيقه للجزئيات الفقهية في القواعد التي قررها فقهاء الإسلام لسير النظر في القضايا المعروضة على القاضي الشرعي يجدها تتفق على الانطلاقة من قاعدة تحقيق المساواة والحرص على أن يكون هذا المبدأ أساسًا من أسس القضاء في الإسلام من وجوه متعددة ، وأن على القاضي أن يكون حياديًا فلا ينحاز لأحد دون أحد، وأن يعتبر طرفي الخصومة على قدم المساواة، وأن يتجرد عن كل مصلحة له أو علاقة مع أحدهما؛ ولذلك نعرض بعض الصور التي توضح لنا عناية الشريعة بذلك في الأحكام التالية المقررة عند مجتهدي الشريعة:-

1-يجب على القاضي أن يساوي بين الخصوم في مجلس القضاء في كل شيء، بالجلوس والسلام والنظر والمخاطبة ، قال ابن القيم رحمه الله: ( إذا عدل الحاكم في هذا بين الخصمين فهو عنوان عدله في الحكومة فمتى خص أحد الخصمين بالدخول عليه أو القيام له أو بصدر المجلس والإقبال عليه والبشاشة له والنظر إليه كان عنوان حيفه وظلمه ..وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان إحداهما: طمعه في أن تكون الحكومة له فيقوى قلبه وجنانه ، والثانية أن الآخر ييأس من عدله ويضعف قلبه وتنكسر محجته ) (45) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت