الصفحة 58 من 127

الإسلام جعل للقاضي الحق في الوصول إلى المقاصد المطلوبة من القضاء ومنها إنصاف المظلوم والوصول إلى الحق ، ولهذا فله التوصل إليه بالطرق الممكنة ما دامت لا تخالف نصًا شرعيًا ، قال ابن القيم: مقررًا أن الحاكم يحكم بالفراسة والقرائن التي يظهر له فيها الحق ، والاستدلال بالأمارات وأنه لا يقف مع مجرد ظواهر البيانات والأحوال ما نصه: ( فهذه مسألة كبيرة عظيمة النفع ، جليلة القدر ، إن أهملها الحاكم أو الوالي أضاع حقًا كثيرًا ، وأقام باطلًا كبيرًا ، وإن توسع وجعل معوله عليها ، دون الأوضاع الشرعية وقع في أنواع من الظلم والفساد ..والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ، ومعرفة شواهده وفي القرائن الحالية والمقالية كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام أضاع حقوقًا كثيرة على أصحابها وحكم بما يعلم الناس بطلانه ولا يشكون فيه اعتمادًا منه على نوع ظاهر، لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله .. ، ومن له ذوق في الشريعة ، وإطلاع على كمالاتها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش المعاد ومجيئها بغاية العدل ، الذي يفصل بين الخلائق ، وأنه لا عدل فوق عدلها ، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح: تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها ، وفرع من فروعها ، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها وحسن فهمه فيها: لم يحتاج معها إلى سياسة غيرها البتة(101) . ثم قال رحمه الله: ( فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال ، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهدًا لها بالاعتبار، مرتبًا عليها الأحكام ، وقول أبي الوفاء ابن عقيل( ليس هذا فراسة ) فيقال: ولا محذور في تسميته فراسة فهي فراسة صادقة ، وقد مدح الله سبحانه الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه فقال تعالى: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ((102) . وهم المتفرسون الآخذون بالسيما ، وهي العلامة ، يقال: تفرست فيك كيت وكيت وتوسمته ، وقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت