ولهذا أصبحت القوانين أخيرًا تتطلع إلى هذا الجانب العظيم في الشريعة وهو العقيدة والأخلاق ، وتحاول جاهدة التوفيق بينه وبين قواعدها وتسعى لتقنين القواعد الأخلاقية في قواعد قانونية تدريجيا ، وكان هذا أمل الفلاسفة والمصلحين في الماضي ، وهو أمل البشرية في الحاضر ، ومهما حاولت بعض القوانين التنكر للعقيدة والأخلاق فسرعان ما تعود إليها تتلمس فيها الحلول عندما تقف عاجزة عن ضبط تصرفات الأفراد ، ويفلت الزمام منها ، فجميع القوانين لجأت إلى ذلك في مجال الإثبات عندما تضاءلت الوسائل المادية عن الوصول إلى الحقيقة ، وتوقفت حائرة أمام المتداعيين فاضطرت إلى العودة إلى العقيدة والأخلاق تستنجد بقواعدها ، وتلتجئ إلى عرينها ، وترضى بالاحتكام إلى ضمير الخصم وعقيدته ، وتطلب منه اليمين على الفعل أو عدم الفعل ، وعلى الاستحقاق وعدم الاستحقاق كما ترتبط القوانين بالأخلاق في الاعتماد على حسن النية وسوء النية ، والعمد وسبق الإصرار وكذلك في الاعتماد على مخالفة النظام العام والآداب العامة التي ترتكز على أخلاق الأمة وسلوك أفرادها . وإن الباحث في شؤون القوانين يشعر بالتناقض في هذا المسلك القانوني لأن القانون لا يعترف بالجزاء الأخروي أولًا ، ولا يتعرض إلى تنمية الأخلاق ، وتربية الضمير ثانيا ، وإنما يقف منهما موقفا سلبيًا أقرب إلى الإنكار منه إلى الحياد ، ويضع الملحد والكافر والفاسق والفاجر ، على قدم المساواة مع المؤمن والعدل والتقي والصالح ، وإن القانون لا يهمه الخلق ما استقر النظام ، ولما تعجز وسائله المادية في الإثبات وكثيرًا ما تعجز يعود ليستصرخ الضمير والأخلاق والعقيدة في إثبات الحقوق والوقائع ، على خلاف الشريعة الإسلامية التي تولي عنايتها وتوجيهها إلى الناحية الروحية والمادية معًا ، لتؤكد التكامل والتجانس في مختلف الأحكام وفي جميع الحالات وتلبي حاجة العنصرين المادي والروحي في الإنسان ثم تعتمد عليه بعد ذلك