الصفحة 82 من 127

فالنظر إلى مآلات الأقوال والأفعال في عموم التصرفات مقصد مهم لشريعة الإسلام بل أن جميع الأحكام تتأسس على النظر المصلحي في مآل العباد في العاجل أو الأجل ولهذا فالمفتي والقاضي والمجتهد ينبغي لهم تقدير مآلات الأفعال التي هي محل حكمهم وليست المهمة في إعطاء الحكم الشرعي فحسب بل لا بد من استحضار المآلات والآثار والعواقب يقول الشاطبي:

( النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا أكانت الأفعال موافقة أو مخالفة وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل شرعًا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه قد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ أو مصلحة تندفع ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة ) (124) . وبمثل معنى هذا التقرير يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: ( فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره ، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله ، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليم ، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر ، وقد استأذن الصحابة رسول الله ( في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وقالوا: أفلا نقاتلهم ؟ فقال:( لا، ما أقاموا الصلاة ) (125) ، وقال: ( من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدًا من طاعة ) (126) . ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت