وقع خلاف حول ما أهداه الصعب بن جثامة ت للنبي ^ (1) ، في كون الذي أهداه حيًا، أو لحمًا، فرواية من روى لحمًا أولى؛ لثلاثة أوجه:
أحدها: أن راويها قد حفظها وضبط الواقعة، حتى ضبطها أنه يقطر دمًا، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر الذي لا يؤبه له.
الثاني: أن هذا صريح في كونه بعض الحمار، وأنه لحم منه، فلا يناقض قوله: أهدى له حمارًا؛ بل يمكن حمله على رواية من روى لحمًا، تسمية للَّحم باسم الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة.
الثالث: أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه، وإنما اختلفوا في ذلك البعض: هل هو عجزه، أو شقه، أو رجله، أو لحم منه؟ (164)
اختلف الفقهاء في مسألة مبنية على قصة عائشة، وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة فحاضت، ولم يمكنها الطواف قبل التعريف، فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتهل بالحج مفردًا، أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالأول: فقهاء الكوفة، منهم أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني: فقهاء الحجاز، منهم الشافعي ومالك، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه. (167)
نصوص السنة صريحة أن عائشة ل كانت في حج وعمرة لا في حج مفرد، وصريحة في أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وصريحة في أنها لم ترفض إحرام العمرة؛ بل بقيت في إحرامها كما هي لم تحل منه، وفي بعض ألفاظ الحديث: (كوني في عمرتك فعسى الله أن يرزقكيها) (2) ، ولا يناقض هذا قوله: (دعي عمرتك) (3) ، فلو كان المراد به رفضها وتركها لما قال: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك) ، فعُلم أن المراد: دعي أعمالها، وليس المراد به رفض إحرامها. (168)
أما قوله ^: (انقضي رأسك وامتشطي) ، فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيه
أربعة مسالك:
المسلك الأول: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية.
(1) رواه البخاري (1825) ، ومسلم (1193) .
(2) رواه البخاري (1788) ، ومسلم (1211) .
(3) رواه البخاري (1786) .