الصفحة 47 من 78

التاسع عشر: أن الفسخ موافق للنصوص والقياس.. أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم، وأما موافقته للقياس: فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق، فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز اتفاقًا، وعكسه لا يجوز عند الأكثرين، وأبو حنيفة يجوزه على أصله، فإن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحج جاز عنده لالتزامه طوافًا ثانيًا وسعيًا، وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج إذا صار متمتعًا صار ملتزمًا لعمرة وحج، فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه، فجاز ذلك بل استحب له؛ لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولًا. وإنما يتوهم الإشكال من يتوهم أنه فسخ حج إلى عمرة، وليس كذلك؛ فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز عند أحد، وإنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي ^: (دخلت العمرة في الحج) ، فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج ليست عمرة مفردة، وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة؛ كطواف الإفاضة؛ فإنه من تمام الحج، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يفعل بعد التحلل التام.

وقول النبي ^: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق) (1) ، يتناول من حج حجة تمتع فيها بالعمرة، وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية؛ إذ لا ينقلهم الرءوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص؛ بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل الكامل، لا يجوز غير هذا ألبتة.

(1) رواه البخاري (1819) ، ومسلم (1350) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت