الصفحة 59 من 78

الثاني: أن القطع ليس بواجب، وهو أصح الروايتين عن أحمد، ويروى عن علي بن أبي طالب، وهو قول أصحاب ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، وهذه الرواية أصح؛ لما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت النبي ^ يخطب بعرفات: (من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين) (1) ، فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع، وهذا كان بعرفات، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، وهو أعظم جمع كان له ^، فقال: (من لم يجد الإزار فليلبس السروايل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين) ، ولم يأمر بقطع ولا فتق. فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة، وأن الذي شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع، ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع. (278)

إن قيل: حديث ابن عمر مقيد، وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع. فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: (وليقطعهما) قد قيل: إنه مدرج من كلام نافع، قال صاحب المغني: $كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخفين أسفل من الكعبين. والإدراج فيه محتمل؛ لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها، فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرحًا به أن نافعًا قاله زال الإشكال#، ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة: (أن رسول الله ^ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما) ، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع.

(1) رواه البخاري (1841) ، ومسلم (1178) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت