الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله ^ يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال: (ما يلبس المحرم من الثياب؟) فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع، وحديث ابن عباس وجابر بعده، وعمرو بن دينار روى الحديثين معًا ثم قال: انظروا أيهما كان قبل؟ وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس. وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قال: (نادى رجل رسول الله ^ وهو في المسجد...) فذكره، وابن عباس يقول: (سمعت رسول الله ^ يخطب بعرفات) .
فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب، والثوري، وابن عيينة، وابن زيد، وابن جريج، وهشيم، كلهم عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يقل أحد منهم: (بعرفات) غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.
قيل: هذا عبث؛ فإن هذه اللفظة متفق عليها في الصحيحين، وناهيك برواية شعبة لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها؛ بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة، وليست تتضمن مخالفةً للآخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد، ولهذا رواه الشيخان. وقد قال علي ت: (قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما) ، وهذا مقتضى القياس؛ فإن النبي ^ سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل، لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما، ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار، فكذلك الخف يلبس ولا يقطع ولا فرق بينهما، وأبو حنيفة طرد القياس وقال: يفتق السراويل حتى يصير كالإزار، والجمهور قالوا: هذا خلاف النص؛ لأن النبي ^ قال: (السراويل لمن لم يجد الإزار) ، وإذا فتق لم يبق سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس، مع مخالفته النص المطلق بالجواز.
ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر، وأما النص فما تقدم تقديره.