عبدالرحمن بن ناصر البراك
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من مناسك الحج باتفاق العلماء المبيت بمنى ليالي التشريق، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها هو وأصحابه، وقال:"خذوا عني مناسككم" (1) ، ولكن اختلف العلماء في حكم المبيت.
فذهب جمهور العلماء إلى أنه واجب يجب بتركه بدم، وهو الراجح في مذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، واستدلوا لذلك:
أولًا: بقوله صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم"وهو أمر يدل على وجوب أخذ المناسك عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأخذ يتضمن العلم والعمل، كما قال تعالى: { وما آتاكم الرسول فخذوه } .
ثانيًا: ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رخص لعمه العباس في ترك المبيت لمنى من أجل سقايته (2) ، وكذلك رخص للرعاة من أجل الرعاية (3) ، يفهم منه وجوب المبيت على من ليس له عذر، ويلحق بالرعاة والسقاة كل من له عذر عام وهو ما يتعلق بمصالح الحاج، أو خاص كمرض أو عائق من العوائق.
ثالثا: ما رواه مالك عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه قال:"لا يتبين أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة" (4) .
وذهب أبوحنيفة وأصحابه (5) وابن حزم (6) رحمهم الله أجمعين إلى أن المبيت بمنى سنة وتركه مكروه، ومن تركه أساء ولا شيء عليه، واحتج له ابن حزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به، أي أمر خاصَّا، وأجاب عن قصة العباس والرعاة بأنها إنما تدل على الإذن لهم، ولا تدل على وجوب المبيت على غيرهم، إذْ لم يتقدم أمر بذلك، وليس هذا بمتجه.
واستدل الحنفية على عدم الوجوب بالرخصة للرعاة والسقاة، قالوا: فإن الرخصة لهم في ترك المبيت تدل على التوسعة، وأنه ليس بواجب، وهو من جنس جواب ابن حزم بل أضعف.