لعله من البدهي القول بأن المتون سابقة للشروح والحواشي والتقريرات , فهذه كلها آثار للمتون وعمل عليها , وإذا أردنا أن نضع تاريخًا لبداية المتون , لابد أن ننبه على أنها نوعان: متن منظوم , ومتن منثور . وكل واحد منهما يشترك في طبيعته مع الآخر في الميل إلى الاختصار , والخلو من كل مايؤدي إلى الاستطراد والتفصيل , وقلة ذكر المذاهب والخلافات , كما يندر فيهما وجود الشواهد والأمثلة التي لاتذكر عادة إلا في حدود الضرورة كما سبق أن ذكرنا .
(أ) المتن النظوم:
ظهر المتن المنظوم عند العرب في القرن الثاني الهجري , ولكن العرب لم يكونوا أول من اخترعه , بل كانت له أصول عند اليونان , نرى ذلك عند ( هوميروس ) في ملحمته التاريخية ( الإلياذة ) .
وقد بدأ ظهوره عند العرب حين اتسعت معارفهم , وتنوعت لديهم الثقافات , وزاد إقبالهم على التعلم وقد أحسوا حينذاك بحاجتهم إلى نوع خاص من التصنيف يعينهم على حفظ المعلومات ونقلها , فاستعانوا على ذلك بالشعر الذي امتلكوا ناصيته , لأنه يشكل وسيلة مشوقة , ويسهل على المتعلمين حفظه . يقول أحد الباحثين: ( لعل آخر الاتجاهات الجديدة التي نتناولها بالدراسة , والتي لاحظنا نشأتها في شعر القرن الثاني , هو الفن التعليمي الذي يصطنعه الشعراء عادة لنظم أنواع شتى من العلوم والمعارف تسهيلًا لحفظها. ومما لاشك فيه أن نشأة هذا الفن إنما تقترن باتساع أنواع المعارف والعلوم , وازدياد الإقبال على التعليم والتعلم في القرن الثاني , وما كان ممكنا أن ينشأ في الشعر العربي فن تعليمي قبل هذا القرن لهذا السبب نفسه ) .