عبارة لا تنفح شيئا من روائح العروبة بما فيها من عسر التركيب والتوائه، فكأن كاتبها غير عربى. ومثلها كذلك قوله في الصفحة التالية:"وقد تأكدت فكرة التاريخ مع الرجلين معا (يقصد عروة بن الزبير وعبد الملك بن مروان) : كيف بدأت الأمور، تلك التى أتت بكتاب مقدس، بالتحام الجماعة، بملك الدنيا؟".
وتقابلنا في الصفحة التاسعة عشرة كلمة"أُثْرِيَتْ"، التى يستعملها كاتبنا اللوذعى في الجملة التالية:"أُثْرِيَتِ المكتبة التاريخية واتسعت إمكانيات الباحث"على أنها فعل متعد بمعنى"أَغْنَى"، ولهذا بناه للمجهول، على حين أنه في الحقيقة ليس فعلا متعديا كما توهَّم جعيط بثقافته اللغوية الفقيرة، بل فعلا لازما بمعنى"اغتنى". وعلى هذا يمكننا أن نقول إن فلانا"أثرى"من التجارة الفلانية، أى أصبح رجلا غنيا، لكن لا يصح أن نقول إن التجارة الفلانية قد"أَثْرَتْ"فلانا، أو إن المحاضرة الفلانية"أَثْرَتْ"فهمنا للموضوع الفلانى، أى جعلته غنيا. وقد تكرر هذا الاستعمال في مواضع أخرى. وعلى العكس من تعدية الفعل:"أثرى"نراه يُلْزِم الفعل:"مَسَّ"ويُدْخِل على مفعوله الباء فيقول:"مَسَّ فلان بكذا" (ص264 - 265، 269. وفى الجزء الثانى من الكتاب تكررت مرتين ص90، ومرة ص91 على سبيل المثال) ، بدلا من"مَسَّه"كما ينبغى أن يكون الاستعمال. ومثل الفعل الأخير الفعل"عَمَّ"، فهو فعل متعد، إلا أن الكاتب يستخدمه لازما، مدخلا على المفعول به الحرف:"على":"والإسلام في آخر المطاف لم يعمّ على الحجاز بما في ذلك مكة إلا بتكوين أمة فدولة فقوة ضاربة سياسية" (ص316) .
وفى الصفحة التاسعة عشرة أيضا وغيرها من الصفحات تقابلنا كلمة"تَوْرَخة"، التى لا أستطيع أن أمسك بزمام نفسى فلا أقول كما كان يونس شلبى رحمه الله يقول كلما سمع شيئا من زميله مرسى في مسرحية"مدرسة المشاغبين"، إذ كان يتساءل في حيرة بل في بلاهة:"إنجليزى ده يا مرسى؟". فأنا بدورى أتساءل وكلى فزع:"عربى هذا يا دكتور؟". إن هناك ناسا لو أتيح للواحد منهم تسعة وتسعون طريقا كلها تؤدى بهم إلى النجاة، وطريق واحد ليس إلا يقودهم إلى الضلال والهلاك والضياع لتركوا التسعة والتسعين طريقا ولم يَحْلُ في أعينهم إلا طريق الضلال والضياع. لماذا؟ هذا مما احتارت البرية فيه. وقد كان عند الدكتور جعيط كلمة"التأريخ"، لكنه تركها إلى"تَوْرخة"هذه التى لم أسمع بها قط، ولا أظن أحدا عاقلا سمع بها من قبل أو سيسمع بها من بعد. ولست أعرف أى شيطان سول له أن يستعمل هذه الكلمة الثقيلة على اللسان والأذن والذوق والقلب والعقل جميعا، وكذلك الأنف والجلد فوق البيعة. بالله عليك أيها القارئ الكريم، أوكنت تظن أن هناك من يقول:"تَوْرخة"قبل أن أسوق لك هذه الكلمة من كتاب الدكتور جعيط؟ الحق أنه لو عُرِضَ علىّ أن أدخلها في كتاباتى لقاء ثروة من المال ما قبلتُ رغم حاجتى الماسة بل القاتلة إلى مثل تلك الثروة، إذ إن وجهها"يَقْطَع الخميرة من البيت"كما يقول الناس في قريتنا. ولا أظنها إلا تقطع الخميرة أيضا من